الخميس، ديسمبر 07، 2006

وكان الراحل عزيزا ... بعض الشيء

كتبت هذه التدوينة قبل شهور، فجر يوم عيد "شم النسيم"، كان من المفترض أن تكون الجزء الأول من مجموعة تدوينات. كنت على وشك نشرها حين سمعت خبر القبض على أول دفعة من المعتصمين أمام نادي القضاة. من يومها وأنا عاجزة عن إكمالها أو نشرها كما هي. وجدتها اليوم بينما كنت أعبث بالملفات. قرأتها فوجدتها تشبهني. وحيدة ومبتورة بين الملفات الكاملة. مليئة بعبارات طنانة كرثاء ميت ليس عزيزا جدا ولكن الواجب اقتضى رثاءه. ولما لم نجد مشاعرا نرثيه بها استدعى كل منا للذاكرة عزيزا حقيقيا رحل ليبكيه ولم يكتشف أحد الخدعة. فقررت إن اليوم يومها، فهاكم إياها.


***********************************************************************************************************************************************

أيام مشحونة بالأحداث، تنعدم فيها لدىَ أي رغبة في الكتابة عن الأحداث. أحاول بشدة ألا أهتم بأسلوب الكتابة ونسق العبارات ولا أهتم كيف تخرج أو كيف تبدو التدوينات في النهاية. ليس هناك مبرر معين لجعل السنوات المزينة بالأصفار في نهايتها من أعمارنا مناطقاً للتوقف والتدبر ولكنها لسبب ما تفعل بالكثير منا ذلك، شيء عبثي مثل عبثية عد سنوات العمر في حد ذاتها، مثل عبثية الزمن كله في ذلك الشأن. مجموعة تدوينات اختلطت فيها مشاعري بالأصدقاء والسنوات والندوب التي تجعل كل منا مختلفاً عن الآخر. فجأة أفكر الآن في رأي ألِف في اللغة وكم تضايقه الأخطاء في الصرف والتشكيل. يتحدث عن العبارات كإنها أولاده. ليس لهذه الفكرة من محل معين مما هو سابق أو تال ولكنها أتت الآن، وكالأيام ستأخذ مكانها بالرغم مني.

أظن إن نسبة معتبرة ممن يولدون لا يبلغون الثلاثين أبداً. أنا من النسبة التي قدر لها أن تعيش العام الثلاثين. بقى شهر وبضعة أيام قبل أن تكتمل. وفي المراهقة كنت أظن إن سن الأربعين هي السن الأفضل. ثقة واستقرار وقوة. من حيث أقف قبل أيام من انتهاء العام الثلاثين من عمري أدرك إن الأربعين ربما لن تكون أي شيء سوى المزيد من العشرات والعشرينيات والثلاثينيات. مرة أخرى يخطر ألِف بفكري بينما أضع الياء في عشرينيات وثلاثينيات ولا أكتبها "عشرينات".

(1)

قوة الحق

ليس لهذه العبارة من معنى خاص يخص الحق في حد ذاته. ليس للحق من قوة لمجرد إنه "حق". قوة الحق هي نفسها قوة الباطل. الحق مجرد حالة تتخذ قوتها مما يساندها أو من يساندها ليس إلا. أترك ورائي سذاجة عبارات مثل: "الحق سنتصر في النهاية" وأكتفي بالمعنى اللغوي السليم لعبارة "لا يصح إلا الصحيح" بدون أن أحملها أي معان فلسفية تخص حتمية انتصار الحق على الباطل في آخر الفلم قبل نزول كلمة النهاية. الفلم مفتوح النهاية وربما كان متعدد النهايات. ليس هناك من معنى أن نظن إن شيئاً ما جميلاً وجيداً سيحدث لإن فلاناً التزم طريق الحق، ناهيك عن الدخول في مناقشة "ما هو الحق". لنقل ليس هناك أي معنى أن نظن إن شيئاً جميلاً وجيداً سيحدث لإن فلاناً التزم طريق الصدق والعدل إذ إن تقديرهما أسهل "قليلاً" من كلمة واسعة مثل "الحق".

(2)

مبادئ

ليس من شيء يجعلنا "أفضل" من آخرين لمجرد اختيارنا لمبادئ بعينها لترشدنا. لو كنا صادقين فنحن في الأغلب صادقين لإننا "عاجزين" عن الكذب. ربما نستطيع أن نعتبر أنفسنا أشخاصاً "أفضل" لو كنا قادرين "نفسياً" على الفعلين وهذا نادر. نحن في الأغلب وبالرغم من "قناعتنا" نختار ما "نستطيع" فعله. جهد نفسي رهيب يحتاج لما هو أطول من الزمن لنجيب عن تساؤل إن كانت قدراتنا هي التي تضع مبادئنا أو خياراتنا أم العكس (الآن يخطر ببالي راء وانزعاجه من كلمة مبادئ) ، حتى لو كانت عدم القدرة تعني إصبع الأب أو الأم المسدد إلى وجوهنا بينما يحذراننا من عبور الشارع دون النظر ذات اليمين وذات اليسار. لنضعها بهذه الصورة: أي من المبادئ سيبقى في ظروف مختلفة. كلنا ... عفواً، سأكف عن الحديث عن كلنا ... أنا ... ألا أباهي نفسي ببعض الصفات وما أظنه "تميزاً"؟ ليس من تميز، كله في الأغلب فعل يتأرجح بين "القدرة" و"العجز"، نلفق له بعدها الكلمات التي تناسبه وتجعلنا نسير متزنين ظانين إن إنجازاً ما قد تم في مكان ما من كتاب القدر. وما زلت أتحدث عن نفسي بصيغة الجمع.

(3)

تنقية الدوافع

تسوقني الفكرة السابقة لفكرة الدوافع رغماً عني. ما هي الضمانات إن دوافعنا هي فعلاً ما نظنه؟ الأهم: أيوجد أصلاً "دافع نقي بالتمامً؟" ألا تختلط الدوافع؟ تقل المشكلة لو كانت كلها في خط واحد: أن يختلط دافع الحب للآخر بدافع الصدق بشكل عام ولكن ماذا عن الدوافع المتناقضة والتي قد يكون أحدها هو الدافع الحقيقي بينما يستخدم الآخر لتبريره؟ نسير في الحياة غير عالمين إلا "بقشرتنا المخية" بينما تخفي أعماقه "من نحن" حقيقة. ليس لنا ما نباهي به أنفسنا. ليس ثمة توكيد إننا نهتف ضد الظلم لإن الظلم "سيء" والعدل "جيد" وليس لإن الظالم هو السلطة التي نكرهها وبالصدفة وجد ذلك الدافع غطاءاً يبدو نبيلاً ومناسباً نواجه به نظرة الأب والأم المحذرة من مقاومة السلطة. هل تختلط دوافع "اعلاء الحق" بدوافع "الانتقام"؟ هل تختلط دوافع "تصحيح الصحيح" بدوافع "الذات والأنا"؟ أحب الآخرين فعلاً وينبع عطفي عليهم من محبة نقية أم إنني أتقي شر "البشر" الذين أخشاهم داخلياً لإنهم يمثلون القدرة على الجرح والرفض والمحبة هي اتفاقية السلام المشترك؟ هل أحبهم وأنا قادرة على ألا أحبهم؟ أم إن هذا شبيه بترويض الوحش الكبير؟ ليس من ثمة ضمانة. ستكون محظوظاً لو مِت ممسكاً بيمينك أو يسارك فعلاً واحداً "نقي الدافع". يتطلب الأمر ثلاثين عاماً من العيش لتفهم تلك الفكرة. أظنه سيتطلب ثلاثين عاماً أخرى لتقبلها "بروح رياضية" ودون فزع. لن أكلف نفسي حتى عناء الكتابة عما ندعيه – أدعيه – وأنا أعلم يقيناً إنه ليس لي، أفكر فحسب في الدوافع المستترة.

(4)
معارك

قلة يعيشون بدون معارك، كثيرون يعيشون بمعارك معدودة تفرض عليهم وقلة باقية تختار أن تتعارك وإن لم يفرض ذلك عليها. يختار الحكماء معاركهم ويعجز العاطفيون عن ذلك ولا يؤثر لا هذا ولا ذاك على نبل المعركة أو حِطَتها، نتمنى أن يأتي اليوم الذي نتعامل فيه "بالعاطفة" الحقيقية مع المعارك "التي نختارها" وحتى ذلك اليوم سنظل في المعارك التي "تختارها لنا العاطفة" والتي "نأمل" أن يكون ما يحركها هو "المبادئ" التي "نظن" إننا ندين لها.

(5)

مستحق أنا للحب؟

لو كنت بلا فخر لا بالمبادئ ولا بالدوافع التي لن يصمد منها أمام الفحص كملكية خالصة لنا إلا ملء الكف لو كنا محظوظين، فأي حجة لنا نبرر بها خطوات الآخرين تجاهنا من الحب والعطف؟ نظن إن الآخرين يحبوننا لإن فينا من الصفات ما يجعلنا مستحقين للحب. فلو كان ما يحبونه "فينا" لا نملك له من الأدلة ما يكفي لاعتباره "منا" فكيف نجرؤ على اعتبار محبتهم "استحقاقاً" لنا لإننا "طيبين أو خيرين أو مناسبين لما يعتنقونه من مبادئ"؟ بالرغم من فداحة وقع تلك الفكرة فهي تحمل في جانب منها حقيقة جميلة وإن كانت تحتاج للكثير من الشجاعة لتقبلها: تبقى محبة الآخرين وعطفهم دائماً هدية لا يوجد حقيقة ما يبررها. فلننسي ترهات "استحقاق" الحب وعدم استحقاقه فليس من طريق للآخرين أن "يعرفوننا" كي "يحبوننا" أو "لا يحبوننا" طبقاً لما يعرفونه.

(6)

اليوم تذهبون كلكم وتتركونني وحدي

بحلول الثلاثين غالباً ما يكون الناس اختبروا لوعة فقدان عزيز. إذ أجلس بين من أحبهم وأنظر في وجه كل منهم وقد جاء كمفاجئة مفرحة أرى ما يأتي في نفس اللفافة: الفراق. إذ أحب من أحب كل يوم أكثر يحفر كل منا في ذاته الطريق الذي ستسير فيه عجلات الألم. سأرى مرور الزمن في الوجوه أكثر مما أراه في وجهي، ربما سيتزوج من يتزوج وسينجب من ينجب، ولكن المؤكد أن واحداً محظوظاً منا فقط سيرحل أولاً، ثم نرحل كلنا تباعاً متساقطين حتى آخرنا الذي سيكون محظوظاً "بطولة العمر". وقبلها قد تأتي أنواعاً من الفراق بالسفر والغيبة وغيرها تهونها ثورة الاتصالات. محظوظ من يرحل أولاً. الترافق هو الطريق المضمون للألم

(7)

الأبيض والأسود يصنعان الرمادي!

من مشكلات مرور السنوات إن كل الأفكار تبدو قديمة: نادراً ما ترى شيئاً لم تره من قبل، وربما كان هذا سر انطفاء لمعة الأعين وليس نقص فيتامين ألف أو جيم. حتى الشخصيات تصبح نمطية. يقولون إن كل الأفكار موجودة كما هي من قديم الأزل ونحن فقط نتبادلها. ثلاث وثلاين فكرة للأدب!! وبالتالي للمسرح والسنما.يا للإبداع!! كم تدفع لتمتزج لديك جِدة خبرات المراهقة بثقة الثلاثينيات؟ أي معنى لتلك الكلمة: الثقة: أن تكون متأكداً إن شيئاً لن يفاجئك وهذا لن يحدث قبل أن تكف عن مقابلة ما هو جديد، نبدل الاندهاش بالطمأنينة والعادية اليومية. قد تبدو الصفقة جيدة أو رديئة حسب الوجهة التي تنظر منها. تبدو هذه الفقرة قديمة قرأت ما يشبهها قبل الآن مئة مرة.

(8)

اعرفني

نبني علاقاتنا بالآخرين على أمل أن يعرفوننا وأن نعرفهم. نظل نحاول بما نعرفه من وسائل اتصال: نحادثهم ونعاملهم ونلاعبهم و نسر لقلة منهم بضعفاتنا نسمح لبعض الثقات أن يروننا في لحظات الضعف والانكسار، ونعترف بنقائصنا وبعض من أفكارنا التي نخجل منها لشخص أو شخصين على الأكثر لو كنا شجعاناً جداً. في الأغلب تتعملق تلك الغريزة في المراهقة بكل تلك الرغبة الجامحة في أن تعرف من تكون ببأن تعرف نفسك لأحد ما. وبعد خيانة الأمانة الحتمية وما شابهها نتعلم الخوف والحذر واختبار المياه بساق واحدة. تصبح العلاقات أكثر قوة وأقل عدداً. قد نمارس الجنس كرغبة في أن "نُعرَف" بكاملنا، قد نعجز عن "التعري" خوفاً من أن ننكشف أمام من نخشاهم. الأورجازم هو أن تفقد كامل سيطرتك على نفسك أمام آخر دون أن تخاف. أن تتركه يراك في لحظة لا تملك فيها أنت من نفسك أي شيء، لحظة خارج السيطرة، دون أن تخاف من الإيذاء. أن تمارس الجنس مع آخر هو أن تقول: "لست محتاجاً لأقنعتي معك"، وأن تسمح لنفسك بالأورجازم هو أن تقول: "لست محتاج لدروع معك". وتطل الثلاثين مؤكدة إنه مهما حاولنا لن نُعْرَف ولن نَعرِف إلا في حدود ضيقة جداً. سيبقى ما يراه الآخرين منا مشهد "من نافذة" وليس من سبيل لفتح الأبواب. ربما كان الحياة الأخرى "أبدية" لهذا السبب، فمعرفة انسان واحد تحتاج إلى "الأبد".

(9)

سقوط الآلهة

لا نفكر فيكم قبل أن ننجح في الاستقلال عنكم. أنتم أكثر مكون في حياتنا "نشعر" به ونتعامل معه "بالعاطفة" واللا شعور. كيف تجرؤون على العجز والشيخوخة؟ لم يكن هذا ما تقايضنا عليه. تقايضنا على إنكم دائماً أقوياء فنباهيكم بإننا نجحنا في الاستقلال عنكم وإن قبضتكم أخيراً قد انفكت وأوامركم ونواهيكم ليس لها أي سلطة علينا (على الأقل ما خلى الجزء الأعظم من أنفسنا طبقاً لفرويد). لماذا لا تكملون دوركم في الصفقة؟ ما إن يأتي الوقت الذي نتمتع فيه بقوتنا وتفوقنا عليكم حتى نفاجئ إنكم في نهاية العمر، تضعفون وتذوون. يعتصر قلوبنا إن حياتنا مرت دون أن "نعرفكم" إذ كنا مشغولون بفك قبضاتكم التي تعتصرنا. كنا مشغولون بالانتصار عليكم. كنا مشغولون بالوصول لقامتكم بينما أنتم طوالاً ونحن لا نطاول ركبتيكم. وإذ نطاولكم أخيراً نجد ظهوركم قد بدأت في الانحناء وألم غامض لم نحسه من قبل يعتصرنا. ندرك بعدها إننا غالباً سنرى وريقاتكم وهي تطوى ونذهل إذ عشنا معكم ولم نعرفكم، نندهش مثلما كنا نندهش حين كنتم تحكون لنا عن أنفسكم وأنتم أطفال ونعجز عن تخيل إنكم ولدتم أطفالاً مثلنا، نذهل إذ كنا نظن إنكم ستظلون أقوياء إلى الأبد، نذهل إذ نرى عجزنا عن إعادة بعضا من قوتكم. ألسنا قادرين على كل شيء؟ نشعر بالنقمة على الأطباء الذين يعجزون عن علاج من كنا نظنهم آلهة. كيف تفعلون بنا ذلك؟ كيف تتخلون عن ألوهيتكم؟ لم نتفق على أن يتضح إنكم بشر عاديين. لم نتصافق على أن تعجزوا أو تموتوا. أنا ناقمة عليكم إذ فعلتم بي ذلك. لا تعجز عن قراءة تلك الأرقام الصغيرة ولا تجعلني أتذكرك كلما نظرت إلى شيء أعرف إنك ستعجز عن رؤيته. أنت إله ولا يجوز أن تفقد البصر. ردوا لي الآلهة التي انتصرتُ عليها.

(10)

خاتمة لتدوينة مبتورة:

أسكتي يا شهرزاد

أسكتي يا شهرزاد

أنت بواد

وأحزاني بواد

فالذي يبحث عن قصة حب

غير من يبحث عن موطنه تحت الرماد

وأنت ما ضيعت يا سيدتي شيئا كبيرا

وأنا ضيعت تاريخا

وأهلا

وبلاد

(حوار مع امرأة غير ملتزمة - نزار قباني)

<
eXTReMe Tracker
Office Depot Coupon Codes
Office Depot Coupon Codes