الثلاثاء، مايو 18، 2010

عندي "شوية" صداع

الصداع لا يرحم. لا يحترم الصداع النصفي إلا من عرفه ويقول الناس ببساطة "عندي صداع" للتعبير عن اضطراب خفيف بينما تمثل لي تلك الجملة آيات الوجع. حين تعاني الصداع النصفي تصبح الرؤية مشكلة والسمع مشكلة والوضعية مشكلة وأي حركة ولو بالعينين تمثل ضغطه وجع جديدة. لا أعاني فقط من رهاب الضوء أثناء تعرضي للصداع النصفي إنما أعاني بالأكثر رهاب الصوت. بالرغم من كل المسكنات التي خلطها الطب يعرف الأطباء والمرضى معاً أن علاج الصداع النصفي الأول هو أن تطفىء النور وتخمد الأصوات وتغلق عينيك وتحاول أن تستكين ولا تقاوم الألم بمحاولة تغيير وضعيتك. تفيد بعد المناورات القديمة، الضغط ما فوق الحاجبين وبينهما، الضغط على مواضع الجيوب الأنفية والضغط على عضلات الرقبة. أعرف أن الكثير من الصداع مصدره العلاقة بين الكتفين والرقبة ولكنني أنسى كتفي ورقبتي دائماً وأنا في الخارج، ربما لهذا يأتيني أغلب الصداع بينما أكون خارجاً وأعود للبيت فكأني أكتشفه بعد مرحلة من رهاب الأصوات في الشارع.

يفسد الصداع الغد عادةً. غالباً ما أحتاج ليوم من النقاهة بعد نوبة شديدة، حيث يبقى رأسي ثقيلاً وأعاني الآلام في عضلاتي وبالتالي على خطط الغد أن تتغير. لا يغامر المرء بتحدي التطور الطبيعي لنوبة صداع إلا لو كان يرغب في المزيد. أتخيل الصداع كائناً صدئاً يضغط بيدين حديتين على الجبهة والصدغين ولا يرخي. ساقان ثقيلتان وظهر مغلل للأرض وألم مذل. أياً كان المخطط للغد عليه أن ينتظر والمسكنات تساعد فقط على احتمال الألم ولا تسكنه. لو كنت تعانين من نوبات الصداع المتكررة تعرفين الشعور بأنك تحت رحمة نوبة قد تأتي في أي وقت فتغير أجمل الخطط.

ينصح الأطباء من يعانون الصداع أن يسجلوا ما يستحث نوباتهم. طعام، أصوات، وضعية، ضغط معين ويشجعونهم على تغيير أنماط من حياتهم للسيطرة على النوبات المجنونة وبخاصة إنه ليس من المحترم أن تقول لأحدهم إنك لم تذهب إلى المكان الفلاني أو إلى العمل لأن "عندك صداع" فيكون عليك أن تخفي العلة ربما بعلة أكثر قبولاً لدى الجماهير التي لا تعرف الصداع.

يذكرك اسم الصداع بالتصدع ولكن شيئاً لا يتصدع. هو يضغط وجمجمتك تقاوم وجسدك كله يحاول أن يحتج فيزيد الضغط.

حين تنفرج النوبة أبقى غير مصدقة لفترة إنها مضت وألزم وضعيتي وسريري غالباً حتى أتأكد أنني لن أنتكس. أضغط عظام وجهي حيث كانت مواضع الألم لأتأكد أنها ذهبت. أتحسر على اليوم الذي مضى وعلى ما فقدته فيه.

أرجوك لا تقل ببساطة "عندي صداع".

التسميات:

الخميس، مايو 13، 2010

لا يستطيع حامل الكلاكيت أن يقول أبداً "كلاكيت آخر مرة"

تتفاقم الأمور فأجدني منحبسة في رغبة عارمة في البكاء. يسألني في هدوء أي أمور تلك التي تفاقمت فلا أرد. لا أجد ما أقوله. أشعر أنني توقفت عن النمو قبل وقت طويل وبالتالي ليس لدي ما أعبر به عن "أموري". لا يبدو البكاء في حد ذاته سيئاً وشعوري المستمر بالشيخوخة يدفعني لذلك التمسك كالمجنون بالمتعة وذلك الزهد المتبلد فيها. أشير إلى نقطة أسفل نهاية الضلوع حيث أكثر الأحاسيس مادية، فيتضح أنه لا شيء هناك إلا فم المعدة ربما، فيبدو تشخيص الارتجاع تشخيصاً مقبولاً. أخشى أن أتحدث عن الموت فيفزع المقربون وأخشى ألا أتحدث عنه فلا يبقى من فارق بين حياة وموت.

يغريك الصدق بالصدق، وتدركين أنه لا مخرج إلا في أن نصرح بكل ما هناك أمام أنفسنا فأقاوم الكتابة بكل ما أستطيع. بمرور الزمن يغلق الأمل أبوابه وتضيق مساحات الاحتمالات المتبقية لأمل جديد. تبدو العبارات لزجة وركيكة وتستحق الاحتقار لمحاولتها التعبير عن الأمر الجسيم. ليس من مجال للتساؤل عن المسئول ولا محاكمة المخطئين الآن. كان هذا ممكناً في السابق ولكن الآن فات الوقت ولم يعد ذلك غير هام فحسب، بل انتفت أي رغبة فيه تدفع إلى بحثه.

تعرف النهاية دائماً مهما كان طول الزمن الذي مر ، جزء منك متأكد، الجزء الأكثر ثقة، الأكثر حكمة، والأكثر بصيرة. لا مفر رغم ذلك من المرور بكل المحطات وأداء الواجب وتحية المودعين ولملمة المراسلات والطرود ودفع الرسوم وتحمل القرقعة. لم؟ لأن هذا هو ما يفعله المرء، مادام موجوداً، هذا هو ما يفعله المرء وعار عليك ألا تفعل.

تكتب القصص والحكايات متمحورة حول الكاتب في عشق للذات لا يبرره غالباً أي تميز لتلك الذات بالذات. وهو ذلك التمحور الذي يجعلني أرى في الحدث المكرور قصة جديدة لابد أن تكتب، قصة مهمة، لابد أن يقرأها العالم، لأنها قصتي، أنا، الذات المهمة.

تحدث الأزمة حين تفقد أناي تميزها كأنا عن بقية "الأنوات" الأخرى، فأنظر لأناي بنفس الملل والرتابة التي أنظر بهذا لأنوات الآخرين ممن لا يدركون أن قصتهم التي يحكونها مرة بعد مرة هي نفس القصة مرة بعد مرة مع بعض العبث في التفاصيل الخارجية. أوبرا صابون مستمرة لمواسم لا نهاية لها. ماذا يتبقى لأناي عندها؟ أن تضغط زر التحكم عن بعد؟ أن تفصل الكهرباء؟ أن تكتب لأولى الأمر راجية أن تنتهي القصة المملة المكررة التي لا يحدث فيها شيء سوى أن يتبادل الأبطال أماكنهم في قصة ساذجة في محاولة لدفع الجميع للجنون أو للبلادة المطلقة؟

أستيقظ في الغد وأحكي قصة تافهة عن فأر صغير يستوطن غرفتي يعجز اثنان من المتخصصين عن إقناعه بالعدول عن سكناها. كأن شيئاً لم يكن اليوم، كأن أناي ليس لديها من مشكلة إلا فأر مسكين يفر هارباً كلما مر ظلي، كأن الأشياء كلها لم تفقد قيمتها، كأن العالم لم يكن ينهار رويداً ويداً لأعوام حتى سقط آخر فيه شدون ضجة لأنه ليس إلا مجرد حجر أخير واحد في النهاية وحجر واحد ساقط لا يستحق أي اهتمام

في قلب التفاحة الكبيرة

تعلمك الوحدة المفاجئة اختيارياً أشياءً وتجبرك على تنمية مهارات تكاسلت عن تنميتها لثقتي الدائمة بوجود من يعتني بي. أتذكر تعليماتي لنفسي في غرفتي التي اخترتها في "نيويورك" واسترحت لها: لو فوتت إطعام نفسك يوماً كاملاً فليس هناك من سيأتيك بالطعام حين تصابين بالإغماء في اليوم التالي، لو لم ترتبي الغرفة ستعجزين عن اللحاق بميعاد العمل ويرتفع مستوى توترك، لا تفرطي في تناول المهدئات مهما بلغ التوتر حتى تستطيعين الاستيقاظ مستبشرة صباحاً لتلحقي بالخبرة التي عبرت الأطلنطي لتحقيقها، عدي النقود بدقة واعرفي كم بقى للطعام والدواء حتى نهاية الأسبوع وميعاد الراتب، الإيجار أهم شيء، تجنبي أماكن انفاق النقود التي لا تستطيعين مقاومتها، ممنوع الذهاب إلى "متجر كتب بارنز ونوبل" ومعك نقود لأن الخبرة الأخيرة في انفاق آخر مئة وخمسين دولاراً احتياطية في حوزتك لعجزك عن مقاومة فخاخهم المذهلة من الأرفف والممرات الواسعة التي يجلس فيها الناس على الأبسطة السميكة ويقرءون ويقرءون حتى يعجزون عن ترك الكتاب والرحيل دونه، لا تذهبي إلى "بيد باث آند بييوند" حيث الأفكار البسيطة المغرية، وفي كل الأحوال تأكدي من كافة الأسعار. لو لم تخصصي ساعتين للغسيل الأسبوعي فستنتهي بارتداء ملابس متسخة لأسبوع آخر أو غسلها يدوياً ومحاولة تجفيفها بأي طريقة ممكنة.

تضعك الوحدة وجهاً لوجه أمام نفسك، من سيسحق الآخر. كأنها آخر فرصة في الحياة أفضل الموت عن الهزيمة، حرفياً. أضع خططاً وخدعاً صغيرة للانتصار على الغصص المفاجئة والشعور المفاجىء بما يزحف تحت الجلد. أغري نفسي بالنضج، أفكر فيما تركت ومن تركت لأجد شيئاً ضائعاً مني أشعر أن الحياة لا يمكن أن تستمر أكثر من ذلك دونه.

أكتشف إن من ضمن مجموعة أغنيات أعطتني إياها "ماعت" قبل وقت طويل وكنت قد نسيتها أغنيات لعبد الوهاب وسيد مكاوي، أفاجأ بها على مشغل الموسيقى في المترو فأغمض عيناي وأتمايل غير شاعرة بأي شيء حولي في القطار وهذه من مميزات الوجود في نيويورك، لا أحد يهمه ما تفعل ولا أين تفعله، طالما لم تتخط دورك في صف ما.

أختبر قدراتي الحقيقية على كسب عيشي في عالم واقعي، أسمح لنفسي ببعض المشروبات الروحية وأنا وحيدة لأحسن مزاجي الذي يشهد تحسناً عاماً تواجهه بعض الانتكاسات. أفكر في الأجباء والأصدقاء، شقيقي البعيد في بلد آخر، العلاقات المسممة والعلاقات الملهمة، روعة الغرباء ومفاجآتهم، الاندهاش الكائن وراء الأبواب ولذة المعرفة البسيطة التي تبدو تافهة. المستشفى الذي تركته في مصر، الفارق الذي يحدثه تناول الإفطار على تحسن المزاج، واكتشاف مجموعة قصص قصيرة لبهاء طاهر في قاع حقيبة السفر على إنارة يوم معتم وقطعة شوكولاتة على تجدد الأمل وسلطانية من الحساء في يوم بارد على قرار العيش يوماً آخر.

فروق توقيت





أنتظر الفجر بفروغ صبر كي أحدثك!

<
eXTReMe Tracker
Office Depot Coupon Codes
Office Depot Coupon Codes