الأحد، فبراير ١٩، ٢٠٠٦

نَرْجِس

حين سافر من اثنين وعشرين عاماً بكته جدتي كثيراً. كنت أدهش إذ أجدها تبكي. كنا نعرف إنه لم يحصل على فيزا هجرة، إنما سيضطر للبقاء في الخارج حتى يحصل على الإقامة، مابين خمس وعشر سنوات على الأقل. لم يعد إلا اليوم. كنت أسألها: "بتعيطي ليه يا تيتة ده مسافر بس" فكانت ترد: "إنتي لسة صغيرة هتشوفيه تاني، أنا خلاص دي آخر مرة هأشوفه" ..... وكانت آخر مرة رأته فيها هي تلك المرة التي خرج فيها من ذلك الباب متوجهاً إلى المطار.

كانت لها طريقة خاصة لسرد حقائقها الخاصة. لا أعرف إن كانت تحدث الآخرين بنفس الطريقة أم لا. لم تكن علاقتها بالآخرين تهمني كثيراً. أتذكر المرة الأولى التي رأيتها تحقن نفسها بالأنسولين – فلم أكن ممن يستيقظون مبكراً إلا نادراً وكان هذا مشهداً فريداً بالنسبة لطفلة – وسألتها كيف تستطيع أن تحقن نفسها – فردت : "كتر الحزن يعلم البكا". عشرون عاماً بعد وفاة زوجها – جدي – الذي لم أعرفه لم تخلع الأسود أبداً لا في الخارج ولا في البيت، ولا حتى في زفاف أبنائها.

كان عمري شهوراً حين أصبت بنزلة معوية شديدة عوَلت أمي أسبابها إلى اهمال الحضانة وقررت بعدها ألا تخاطر بي هناك. أرسلتني إلى جدتي في الصعيد ولسنوات لم أعرف أماً غيرها. كانت تميزني عن باقي أحفادها الأطفال وكان ذلك يستثير غيرتهم وضجرهم مني، اليوم أعتذر منهم مداعبة: "كنتم كلكم مع أمهاتكم، وأنا كنت وحدي". حتى أولادها: "خالاتي وأخوالي الأصغر" – الذين كانوا يعيشون معها - ضجروا من اقتحام طفلة لحياتهم بضجيجها وصوتها العالي وعبثها بالأشياء، ولكن ما من أحد منهم كان يجرؤ أن يصرخ في أو يمسني وهي موجودة: كانت لتجعله يندم. كانوا أحياناً يعاقبونني أو يصرخون فيَ حين كانت جدتي تذهب إلى السوق أو لاستلام المعاش – فرصتهم الوحيدة – وكنت أشكوهم وكانت تنتقم لي. في مرة اتهمني "ش" زوراً بإنني عضضته، ولم يكن العض من مهاراتي أصلاً. وضعت لي خالتي الشطة على لساني. لا أذكر الألم من الشطة ولكنني أذكر طعم الظلم. ما كانت تجرؤ لو كانت جدتي موجودة. لازال "ش" يتذكر يوم اشترت جدتنا كمية كبيرة من الطماطم لتصنع "مربى الطماطم" وطلب منها كل الأولاد طماطماً فرفضت وطلبت منهم الانتظار حتى تعد لهم المربي. ودخلت أنا في آخر الطابور أطلب حبة طماطم – ويا للهول – أعطتني إياها! يبدو إن "ش" أيضاً يتذكر طعم الظلم!

كنت دائماً أفزع من أن تموت. كنت أعرف إن الجدات هن أول من يموت. كنت أسترق السمع يوم جاء خالي إلينا وقال لأمي: "ماما عندها القلب". بعدها صار احضار الدواء مهمتي. كنت أنام بجانبها فكنت أشعر بها حين تفاجئها أزمة من أزمات القلب ليلاً وكنت أدلك ظهرها لتستريح قليلاً. حبة تحت اللسان حين تشتد الأزمة.

ماتت بعد أن بلغت أنا بشهر واحد. كأنها دفعتني أخيراً إلى عالم الكبار واستراحت. ماتت يوم خطبة ابنها الأصغر. ألوم الكبار إنهم لم يطلبوا الطبيب أبكر أو ينقلوها إلى المستشفى. لم تكن المعرفة بالأزمات القلبية كما هي اليوم. تأخرنا جداً. كتبوا في نعيها: "حرم المرحوم فلان الفلاني". لم يكن أحد يناديها باسمها على أي حال. كانت "ماما" و"تيتة" و"تنت" و"أم فلان" – خالي الأكبر. قالت لي اسمها حين سألتها يوماً: "يا تيتة هو انت اسمك إيه غير تيتة؟"

أفكر إنها لو كانت موجودة اليوم ما كانت ستحب الانسان الذي صرته. كانت تفخر بانجازاتي الساذجة كأم لا ترى إلا ولدها. كنا نتشارك في كثير من الأنشطة التي قلما يتشارك فيها الكبار والصغار. كنا نشاهد برنامج "فن الباليه" كل أسبوع سوياً. كانت تمتعض من بناطيل راقصي الباليه من الرجال الضيفة جداً والشفافة: "مش عيب رجالة يلبسوا حاجات ضيقة كدة وشفافة، ما يصحش". لم تعترض أبداً على ملابس الراقصات. ربما كانت تخشى عليَ من مشاهدة رجال: "في ملابس ضيقة كدة وشفافة" وأرادت أن توضح إنه "مايصحش".

أنجبت أربعة عشر مرة، وعاش من أبنائها عشر. انتقلت أكثر من عشر مرات مع زوجها الموظف في هيئة السكك الحديدية. رأت بعينيها سبع عشر حفيداً من أحفادها البالغين حالياً أربع وعشرين حفيداً. يحكى عنها إنها كانت قوية جداً في شبابها وعصبية إلى حد الجنون. كانت جميلة لم يشبهها أي من بناتها ولا أبنائها.

كان اسمها: "نرجس"

20 Comments:

Blogger Nour said...

*sigh*

تدوينة رائعة عن امرأة أروع

شكرا سقراط

الأحد, فبراير ١٩, ٢٠٠٦ ٧:١٤:٠٠ م  
Anonymous غير معرف said...

جميلة يا سقراط

الأحد, فبراير ١٩, ٢٠٠٦ ٩:١٥:٠٠ م  
Blogger bluerose said...

احيانا اشعر ان الناس اللي زي جدتك يا سقراط شخصيات اقرب للاسطورية , بجد جميلة

الأحد, فبراير ١٩, ٢٠٠٦ ٩:٢٩:٠٠ م  
Anonymous غير معرف said...

يااااااااه.. واضح ان المزاج اليومين دول الكتابة عن الجدات.. عارفة ان جدتي كمان كل حكاياتها وحياتها بتيجي على بالي قوي اليومين دول؟ وباخاف قوي احسن تموت زي ما انتي بتقولي ان الجدات دايما بيموتوا الاول.. اسعدتيني بكلامك عن جدتك.. بالمناسبة: اسمها حلو قوي.. انتي وهي هايلين بجد

الأحد, فبراير ١٩, ٢٠٠٦ ١٠:٣٦:٠٠ م  
Blogger African Doctor said...

لم أرَ جميع أجدادي... ماتوا جميعاً قبل أن اولد
لذلك دائماً ما أحسد من رأوا أجدادهم، أشعر أن هذه العلاقة فريدة لا تماثلها علاقة
الآن تأكدتُ

الأحد, فبراير ١٩, ٢٠٠٦ ١١:٤٣:٠٠ م  
Blogger Nora said...

احساس مرهف
ذكرتنى بجدتى نفس قوة الشخصية كنت احسها مع جدتى
رحمها الله و رحم كل موتانا

الأحد, فبراير ١٩, ٢٠٠٦ ١١:٥٨:٠٠ م  
Anonymous غير معرف said...

رائعة

الاثنين, فبراير ٢٠, ٢٠٠٦ ١٢:٠٢:٠٠ ص  
Blogger Alexandra said...

لي جدتان قاسيتان جدا. ومع ذلك أستمتع بعالم الجدات واستمتع بكتابتك عنه أكثر

الاثنين, فبراير ٢٠, ٢٠٠٦ ١٢:٣٩:٠٠ ص  
Blogger Eman M said...

جميلة أوى
فكرتينى بجدتى برضه

شكراً شكراً

الاثنين, فبراير ٢٠, ٢٠٠٦ ٧:١٧:٠٠ ص  
Blogger The Eyewitness said...

رائعة يا سقراط

الاثنين, فبراير ٢٠, ٢٠٠٦ ٣:٠٧:٠٠ م  
Blogger AUCWORKERS said...


جميله بجد
......
.
الله يرحمها

الاثنين, فبراير ٢٠, ٢٠٠٦ ٧:٣٠:٠٠ م  
Blogger Unknown said...

رائعه.. بجد رائعه فكرتيما كلنا بناس راحوا مننا ولسه عايشين جوانا
انتى كمان حتبقى جده فوق الوصف

الثلاثاء, فبراير ٢١, ٢٠٠٦ ٣:٢٠:٠٠ م  
Anonymous غير معرف said...

انا جداتي ماتوا و عايشة في الكويت بعيد عن أهلي في مصر,يعني قلبتي على المواجع كلها,و مع ذلك هى تدوينه خليتني احس بالدفء في الجو البرد ده .شكرا

الثلاثاء, فبراير ٢١, ٢٠٠٦ ٧:٠٣:٠٠ م  
Anonymous غير معرف said...

مشاركة من اسرة اول برنامج اذاعى عن الأنترنت فى العالم العربى نذيع تهنئه خاصه للعروسين المدون والمدونه نقلا عن بلوج على القهوه الساعه 11 وخمس دقائق صباحا على أذاعة البرنامج العام اف ام 107 واربعه من عشره او على القمر الصناعى نايل سات قسم الراديو البرنامج الأول
ويمكن تتبع التفاصيل بزيارة موقع البرنامج

www.geocities.com/cairocomputer2002/mypage

الأربعاء, فبراير ٢٢, ٢٠٠٦ ١٢:٢٩:٠٠ ص  
Anonymous غير معرف said...

عفوا سقط سهوا ان موعد الأذاعه السبت 24 فبراير الحالى الساعه 11 وخمسه صباحا

الأربعاء, فبراير ٢٢, ٢٠٠٦ ١٢:٣٣:٠٠ ص  
Blogger بعد الطوفان والجو شبورة said...

لن أضيف جديداً بعد ما سبق من تعليقات .. أؤكد فقط أننى إستشعرت حميمية و دفئاً كنت بحاجة إليهما .. تستحقين أن تكون هذه الرائعة جدتك ..بلا شك

الأربعاء, فبراير ٢٢, ٢٠٠٦ ٣:١٧:٠٠ ص  
Anonymous غير معرف said...

سقراطة، كتبت تدوين تشبه هذه بدرجة غريبة عندما ماتت جدتي بعد عيد ميلادها بيوم في آخر 2004.
حتى أني ذكرت اسمها مثلما فعلت!

لكني لم أقدر على إبقائها منشورة أكثر من ساعتين.

أدعي أيضا أني كنت حفيدها المفضل، رغم أنها كانت تنكر هذا بابتسامة رائعة كلما اتهمها به أحد من أبنائها أو أحفادها.

هي أيضا طافت محافظات مصر مع زوجها معلم الفنون.

ربما أريك التدوينة في يوم ما.

الأحد, فبراير ٢٦, ٢٠٠٦ ٣:٢٢:٠٠ ص  
Blogger Randomly said...

جميلة يا سقراط, نجحتي تخليني اعيش احساسك

الاثنين, فبراير ٢٧, ٢٠٠٦ ١٠:١٠:٠٠ م  
Blogger عشقك ندي said...

حلو قوي ان الواحد يبعتر احاسيسه كده قد ايه تعبيراتك مؤثرة ربنا يرحمها ويارب تكوني جدة كده وعندك 30 حفيد وتعلميهم الاحساس المرهف ده

الأربعاء, مارس ٠١, ٢٠٠٦ ٩:١٤:٠٠ م  
Blogger سابرينا said...

كل مادخل اي مدونة او اقر؟أ اى لتاب الأقي حد كاتب عن جدته
give me a break,im so touchy of this subject now
ن جدتي الحبيبةذهبت عند خالي الموضوع دة تاعب اعصابي كثير
thank you for the post.

الأحد, مارس ١٢, ٢٠٠٦ ٦:١٠:٠٠ م  

إرسال تعليق

<< Home

<
eXTReMe Tracker
Office Depot Coupon Codes
Office Depot Coupon Codes