Surgeon General's Warning
جئت الدنيا لأجلس على المقهى ... وأسخر!
طيب حد يتعاطف معايا أنا
جلست في الأسبوع الماضي أمام بعض المراهقات أتحدث وأفتش أدمغتهن عما فيها ففوجئت بهن تعلمنني "حدود" الكلام وتخفن أن تفكرن في أي شيء دون أن أعطيهن مثلاً عليه لتقلدنه. عبرت بعضهن عن أن المعرفة لابد أن تكون لها حدود، فخفت. ولي الحق أن أخاف، لو لم نخف حين يقرر مراهق أن يضع حدوداً فمتى سنخاف؟
أخذني الموضوع طوال الأسبوع، وحاولت أن أفكر في طرق اختراق عقل مراهقة قررت أنه من الأفضل ألا تعرف ولا تفكر وأنه بكفاية ما عرفته أو لم تعرفه حتى عمر الخامسة عشرة. حاولت أن أفهم ما يمكن أن يصل بمراهقة لهذه الفكرة، فالفكرة في حد ذاتها مضادة للبيولوجيا والكيمياء وعلوم الانسان ولابد أن خللاً جللاً قد أصاب العقول البكر وبالقطع لنا يد فيه، فهذا ليس إلا عبث ملقنين من أصحاب الحقائق المطلقة.
وفي هذه الأثناء شاهدت بالصدفة برنامج "الخناقات" "الحقيقة" الذي يقدمه وائل الإبراشي. على عكس المعتاد شاهدت ثلاثة شباب يتحدثون بهدوء ومنطق وتركيز ويعرفون على الأقل ما يريدون أن يقولوا بالرغم من أنني لست إلا على علم بسيط بموضوع "العاطفيين" المعروف بـ(إيموز) الذي يتحدثون عنه ولا يهمني كثيراً، إنما لفت نظري حضور أذهانهم في المناقشة وتركيزهم وقوة حجتهم مقارنة بوائل وأعوانه. وائل كان مشغولاً جداً بشكلهم، لأن الفتيان الثلاث كان شعرهم طويل وذو "قصة" يسرحونها للأمام. على عكس الأولاد، لم يستطع الأخ وائل أن يحرر ذهنه من انشغاله بمظهرهم ليفكر في ما يقولون. وطبعاً طالما نتحدث عن فتيان ذوي شعر طويل فلابد أن نتحدث عن "العو"، أي ما يسمونه "الشذوذ الجنسي".
على الجهة الأخرى من الطاولة أجلس وائل شخصاً كتب تحت اسمه: أستاذ علم النفس التربوي. يا ما شاء الله. أستاذ علم النفس التربوي هذا أيضاً لم يستطع تخطي مظهر الشباب الذي صعب عليه طول شعرهم وضيق بناطيلهم (مع إن مظهره هو بشعره الذي يزيد طوله عن خمسة سنتمترات ويصففه للخلف والمصبوغ بالحناء لتغطية الشعر الأبيض لابد وأنه كان ليصعب على المرحوم والده) . هذا الأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله قرر وهو جالس على الناحية الأخرى ولم يتحدث مع الشباب إلا فيما يقل عن الساعة أنهم بحاجة لقياس سلامة قواهم العقلية - قبل أن يتعامل معهم (لأ هيدخلوا الجنة يا خي). يعتقد الأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله أن مجاراة المجتمع هو مقياس "سلامة القوى العقلية" (مما يشككنا في قواه العقلية هو شخصياً). لم ينجح وائل ولا الأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله في مناقشة الشباب في أي شيء سوى كلمتين: شعركم طويل وشذوذ جنسي. لم أفهم أنا أي شيء سوى إن وائل والأستاذ إلى آخره مستاءان جداً من حلاق الأولاد والترزي تبعهم وأن هؤلاء الأولاد منطقهم أقوى من القراطيس الذين يستضيفهم وائل عادةً وبالتالي فوائل ما عرفش يعمل إيه طول البرنامج غير إنه يقول: شعركم طويل وشذوذ جنسي ويسعى بكل طريقة لتوريطهم في إصابتهم بالإكتئاب أو انتمائهم (لجماعة محظورة) ما. تحدث وائل بعض الوقت عن الجرح العمدي للجسد مع غمزة جانبية إلى أن ذلك من سلوك بعض الجماعات المسيحية التي تحاول الشعور بآلام المسيح وأن ذلك ظهر في شفرة دافنشي - الكتاب والفيلم كما قال وائل - باعتبار شفرة دافنشي الكتاب والفيلم من المراجع العلمية حول سلوك الجماعات المسيحية والإيذاء البدني المصاحب للتوتر النفسي. وعلى الجهة الأخرى "يستهبل" الأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله كأنه لم يسمع من قبل عن الإيذاء البدني العمدي إلا لدى جماعة "العاطفيين"، يتحدث باستهزاء بأن مثل هذه الأمور معروفة لأن المراهق يبحث عن قضية وما شابه بدلاً من أن يحمد الله أن المراهق يبحث عن قضية بدلاً من أن يكون مثله ظاناً إن كل القضايا قد حلت وانتهى الأمر. ومع موسيقى توحي بالخطر والجدية عرض وائل مجموعة من الصور لشباب في أماكن عامة متموضعين للتصوير يرفعون أيديهم بعلامة النصر وليس في الصور ما يريب أو يقلق، - بخلاف أن شعرهم طويل وآخر شعره "سبايكي" وأحدهم "يلعب في شعره"كما عبر وائل وضيفه مستنكرين أن "يلعب ولد في شعره".مقياس الأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله للموضوع هو السؤال الذي وجهه ليضحد به المشككين وينهي به قضيته بالضربة القاضية: "لو سألت أي بنت في الشارع عليكم وقلت لها: هل ده ينفع زوج؟ تفتكروا هاتقول إيه؟" (لا اسم الله على إل شعرهم قصير ولابسين بنطلونات واسعة، أزواج تشرف فعلاً، ربنا ما يحرمكم م الهبل). وبالنسبة للتقاليع الغربية: كرافتتك جاية منين يا أستاذ وائل؟
عادي، صحفيو مدرسة روزاليوسف وصوت الأمة ولحيقتهم الدستور من أمثال وائل دورهم في الحياة "الشبشبة" لعل الخناقة تشتعل فيظنون إنهم أصحاب برامج ساخنة. وعادة ما يلتقطون موضوعاً أهبل يضعون معه موسيقى تصويرية من أفلام هتشكوك ويكتبون على الشاشة: "الحقيقة تكشف الموضوع الخطير لأول مرة" ويتضح مثل هذه المرة أن الموضوع الخطير هو إن "الولاد بيلعبوا في شعرهم". إلا أن لعب الكبار إنقلب جداً بعد أن تسبب ترديد وائل وضيفه كالببغاوات طوال الحلقة: شعر طويل شذوذ جنسي إلى غضب الغنم وتحرش القطيع بالأولاد الذين ظهروا في الحلقة. وعلى ما يبدو خاف الصحفي الذي ملأ الدنيا صياحاً في جرائد المعارضة دفاعاً عن الحريات وعجز أن يحتمل "حرية تسريح الشعر" - خاصة مع تورطه هو في قضية ضد حرية الصحافة - أن يزج باسمه في قضية مرشحة أن تكون مثل قضايا عبدة الشيطان، فقام باستضافة الفتيان الثلاث وحدهم في الحلقة التالية وقد بدا عليهم إنهم قد غيروا الحلاق وأراد وائل باستماتة أن يدافع عن نفسه بأنه ليس سبب غضبة الناس ولن يكون برنامجه سبباً في استعداء الأمن على الفتيان واستمر يكرر كالببغاء أيضاً إنهم "طلقوا الإيموز".
تعرض الفتيان للتهديد كان واضحاً جداً من ظهورهم في الحلقة التالية ومما قالوه، ولا يبدو أن المسألة هي تحرش الأهالي بهم فحسب، أن يخرج نفس الفتى الذي كان يتحدث بمنتهى الثقة في الحلقة السابقة ليقول: "إحنا رجالة ومسلمين الحمد لله"، بينما يضحك الآخر ساخراً (من تحت لتحت) بل ورفض أحدهم الظهور أصلاً هو نصر لوائل المغوار الذي قال بمنتهى الدفاع عن الحرية: أنا مش من حقي أكلمك عن شكلك ودي أفكارك ومن حقك تدافع عنها زي ما أنت عايز! (لا صحيح، بتهزر يا وائل مش كدة؟)
هل أتاك نصر الله والفتح يا وائل أنت والأستاذ الدكتور بأن قص الفتيان شعرهم؟ هل تحقق هدف برنامجك الذي يبدو وإنه برنامج "ستايل"؟ وماذا عن غضبة الغنم على الفتيان؟ الأهل المغاوير وسكان الشارع أعلنوا الحرب كلهم على "شعر" الأولاد، من الراشد ومن المراهق؟ تحدث الرجل ذو العلم النفس التربوي عن المراهقة الفكرية للفتيان وليس من مراهقة فكرية "وهبل" أكثر مما فعله هو ووائله وقطيعه من الغنم الجالس أمام التلفزيون. وصلت السطحية بالسيد مقدم البرنامج أن يقول للفتى على التليفون: "والله مش ذنبي الناس فهمت إيه بعد ما أنت قعدت تلعبلي في شعرك مش عارف إزاي"(!!) وبينما يضحك بشدة أحد الضيوف الأخر في البرنامج يقول الشاب على الهاتف: "لقد ظهرت في البرنامج لأنفي تماماً علاقتنا بالإيموز!" ثم يقول وائل: "ضيوفي ليسوا شواذ جنسياً لأني مش هأعمل حلقة عن الشواذ جنسياً". يا وائل خليك حلو كدة، على الأقل موضوع "الشواذ جنسياً" هيبقى له معنى شوية عن موضوع الولاد إل بتلعب في شعرها ولن يخطر ببال واحدة هايفة بتلعب في شعرها من أمثالي إنك "جيت في الهايفة واتصدرت"
وبعد أن شاهدت وائل وأستاذه الدكتور يا ما شاء الله والفتيان الذين قصوا شعرهم تذكرت المراهقات اللاتي جلسن أمامي يتحدثن عن الحدود، وآخر المعرفة المسموح، فبدأت أفهم بعض الشيء من أين هن آتيات. من دنيا يظهر لهن فيها في كل خرابة عفريت وفي كل خرابة وائل وفي كل فصل "أستاذ" في علم النفس التربوي يظن إن قصة شعره ما كانت تفزع أباه وأن أمه لم تصمص شفتيها من تصرفاته قائلةً: "رجالة آخر زمن" ، حتى لو كانت الحكاية شعر طويل وبناطيل ضيقة. هؤلاء الفتيان لم يفجروا متحفاً ولم يدمنوا مخدراً ولا يتحدثون حفظاً بل وحتى لم يتعدوا حدود اللياقة مع الأستاذ الدكتور النابه الذي يستحق بصدق أن "يمسح به البلاط" جزاءً وفاقاً عن عبطه وضعف حجته وهوانه أمام ثلاثة مراهقين ليس لهم ما له من العلم ولا العمر، وتعمده الوقح إهانتهم والتزامهم هم رغم ذلك باحترامه الذي لا يستحقه إطلاقاً ولو كنت عميدة كليته أو رئيسته لمنعته أن يحاضر محاضرة واحدة أمام طلبة أبرياء ما دام يعجز عن تتبع حجة منطقية واحدة ولو كان هو صاحبها. إنما هو نظام الكتاتيب، إنما اعتلى الطلبة الكراسي وكف الشيوخ عن الجلوس متربعين.
أتفرج على مسلسل الأيام. بخلاف انبهاري بأحمد زكي الذي يمثل بعينين مغلقتين وهو ما يضاهي مطرب طلب إليه الغناء بينما انبح صوته فغنى وأطربك، أتابع الحلقات التي كان شيوخ العواميد في الأزهر يضيقون به إذ يناقشهم وقد بهتوا أن يناقشهم أحد، فهم لا ينطقون إلا صدقاً ولا يعارضون إلا كفراً. فما أشبه الليلة بالبارحة؟ إنما لن يخرج منها طه حسين لأنه ليس فيها "محمد عبده" ولا فيها "أحمد لطفي السيد"، فيها وائل والأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله قضيتهم هي اللعب في الشعر.
في ملاحظة جانبية أصبح الشعر موضوعاً مهماً في مجتمعنا يحوز على جزء لا بأس به من الاهتمام ما بين التغطية والكشف واللعب والحلاقة. من يدري، ربما بوجود العدد المناسب الآن من الإخوان المسلمين بالمجلس الموقر أن تسن القوانين لتنظيم علاقة الانسان المصري بشعره والتي تعقدت وتشابكت جداً، فتصبح هناك حدود لطول الشعر وحدود للعب في الشعر وحلاقين مرخصين وليس أي حلاق عادي يمكن أن تسول له نفسه أن يحلق لك شعرك بطريقة "ستايل" أو شيء من هذا القبيل وتحرر المخالفات على الشعور المخالفة في الطول أو العرض أو البروز.
ماذا أقول للفتيات في الأسبوع القادم؟ لا تمشطن شعوركن بقصة على العينين حتى لا يطلعلكن في الخرابة وائل؟ البسن بنطلونات واسعة حتى لا يشكك أستاذ علم نفس تربوي في سلامة قواكن العقلية؟ لا تعلن عن انتماء فكري مختلف حتى لا تجدن لعبة صحفية قد انتهت بكن إلى أمن الدولة؟ لا تناقش ولا تجادل يا أخ هاني؟ لو عايزة تبقي صحفية شهيرة تعالي في الهايفة واتصدري؟ لو عايزة تبقى أستاذة علم نفس تربوي يا ما شاء الله وتطلعي في التلفزيون انجعصي ودلدقي الدرر حول علاقة طول الشعر واتجاهه بالنسبة للراس بالقوى العقلية؟
إذا أراد أحدهم أن يدعي إن المرأة أخذت كافة حقوقها، أو تشجيع تسمية أنيقة ما مثل: "الحقوق الإنجابية"، فلينزل أولا ليشاهد كيف تمارس النساء بمنتهى الحقوقية مهمات الإنجاب، وهو ما لن يكون مناسبا للأسف لتعطيل اجتماعات المجلس القومي للحريم.
يقولون إن أحدا لا يصل لأي حق قبل أن يُعطى له هذا الحق في الغرف المغلقة. أتريدين أن تطلعي - يا من تظنين الأمومة منتهى الأمل - على حقيقة احترامنا للوالدة والأم التي نقيم لها مولد عيد الأم كل عام ، وجائزة الأم المثالية و"ست الحبايب يا حبيبة يا أغلى من مش عارف إيه وبالروح بالدم هنعمل مش عارف إيه برضه؟"
انزل للوالدة وشاهد احترام الأطباء والممرضين – والمارة أحيانا – لجسدها الذي يقوم "بالدور المقدس" الذي والتي هو الوظيفة الأساسية للمرأة " والأم مدرسة " ومثل هذا الكلام المخصص للاستهلاك المجتمعي للتحشيش الثقافي. قد يتأثر حجم التعبير عن هذا "الاحترام" بحجم الرزمة التي تضعها في كف طبيب التوليد، ولا يتأثر الاحترام نفسه، مثلما يتأثر حجم "الحشو" من المعلم في أدمغة الطلبة، دون أن يتأثر التعليم نفسه.
" ست الحبايب " – التي غالبا لم يرها زوجها بهذا الوضوح من قبل – تسجى عارية أمام من لم تختر من الناس. كم صورت السينما من مشاهد تسخر من الولادة؟ يحضرني نصف مليون مشهد في هذه اللحظة بالذات!
" الأغلى من روحي ودمي" يسخر القائمون عليها من جسدها المجروح أمامهم.
" صباح الخير يا مولاتي " : اخرسي بقى مش عايز أسمع صوت، لما أقولك احزقي تحزقي.
"الأم مدرسة إذا أعددتها" : يفحص الطبيب الوالدة شرجيا ليتأكد من سلامة الغرز الجراحية: "كده بنفحص عشان سلامة الغرز، أنا أدخل إيدي مرة ولمعي مرة" (ضحك في الخلفية).
" يا رب يخليكي يا أمي " : لمعي يجذب ساقي الوالدة يريد أن يبعدهما عن بعضهما بشكل مجنون. يتهمه الطبيب إن المشكلة في عدم ابتعاد ساقيها بشكل ملائم.
"قال من؟ قال أمك، ثم من؟ ثم أمك؟ ثم من؟ ثم أمك": لمعي يسخر من الطبيب: مش إنت قلتلي رجليها هي المشكلة أديني فتحتهالك أهه عالآخر".
" الجنة بين سيقان الأمهات " : ترقد الوالدة مفتوحة الساقين أمام البوابة التي يفتحها أي عابر من الخارج. لا يصرخ أحد فيهم إلا حين تحاول أمها الدخول.
"عشب تعمد من طهر كعبك يا أمي" : أكتشف إنني الأنثى الوحيدة المتواجدة معها بالصدفة. " كل سنة وإنت طيبة يا مامتى وبعودة الأيام " : شوفولنا مقص بس يكون حامي شوية.
" تفرحي وتتهني " : تتشبث الوالدة بذراعي: يا دكتورة، تعالي افحصيها مهبليا (أشد يدي بصعوبة شديدة من الوالدة المتشبثة بها والتي ترجوني أن أظل بجانبها. لامكان للطبيب بجانب الوالدة، مكانه الوحيد بين ساقيها).
" وفي عيدك نغني " : معاكي قسيمة جواز يا ماما؟ ما ينفعش تولدي من غيرها.
" ونضربلك سلاااااام " : يهوى الطبيب صافعا فخذ الوالدة المتعرى أمامه: بس يا مرة مش عايزين دلع ومسخرة هنا.
" بأغني للأمومة": تصرخ الوالدة بألم واضح، يتحدث زوجها عن رغبته في الزواج بأخرى على مسمع منها.
" وأقول الله يا أمي عالدفء والنعومة" : أسمع صوت الجلد ينشق تحت المقص.
لا تختار الوالدة في مصر الطريقة التي تلد بها: وكلما كانت أفقر كلما انعدمت خياراتها أكثر. تتعرض مائة بالمائة من حالات الولادة في مستشفيات مصر العامة للقطع الجراحي للعجان.
" ما أنساش الابتسامة" : الحمد لله. ربنا يعينكوا. ربنا يقويكو – تدعو الوالدة للأطباء.
" ومش هأنسى يا ماما الشخطة إل تعلم وما تهنش الكرامة" : ليه مش بتدوني بنج؟ - مافيش بنج، إحنا كدة هنا، مش إنسانيين (والكلمة الأخيرة سخرية مني شخصيا من قبل الطبيب، ولهذا موضع آخر).
" يا ست يا فدائية": يتحدث لمعي عن زواجه قبل شهرين. أتساءل من يا ترى من الناس سيشاهد زوجة سعادته وقد تموضعت أفضل مما تتموضع ليمتطيها سعادته، أو ربما يؤمن لمعي نفسه ويولدها بنفسه.
كان أحدهم يقول إن هناك صراع ما في نفس الرجل موضوعه الأم المقدسة التي تكاد تكون عذراء حقيقة – ولدته صحيح ولكنه حبل بلا "دنس"، وإن رغتبه في تلك الصورة يمتد أحيانا إلى زوجته. أظن إن أحدا لو عرف الحد الذي يستباح إليه جسد المرأة، وخاصة ما بين الساقين التي تتدرب منذ الطفولة على غلقهما جيدا بمنتهى الأدب سيغير رأيه تماما فيما يظنه عن إمكانية احتفاظ المرأة بحياء ما أو احترام ما لذلك الجسد نفسه. ما لا أفهمه أيضا هو إن تلك المرأة نفسها والتي تستبيح أيد غريبة مهبلها بمنتهى البجاحة، تعجز عن أن تقول لزوجها: امسسني هنا.
لن يعدم المرء طبعا واحد من حكماء الزمن ليقول إن المرأة لا يجب أن تنكشف إلا على المرأة وإن وظيفة التوليد وظيفة الطبيبات وإن هذا هي نتيجة التهاون في كشف العورات على الأطباء من الذكور. نقول للمذكور إنه من كثافة غمامة الحشيش الثقافي على دماغه لا يفهم إن انتهاك الجسد دون إذن لا علاقة له بكون المنتهك رجل أو امرأة، فما هو انتهاك أقل أن تصدر نفس التصرفات من طبيبة – وهو ما يحدث حقيقة، بل وما هو أفظع – وهذا المنطق في حد ذاته دليل على الهوس الجنسي، فمن كل ما سبق أحيانا لا يستنتج أحدهم من القصة سوى إن الفسق الذي أدى بالأطباء الذكور لكشف عورات النساء المغلظة هو المشكلة.
المعنى: ليس عند هؤلاء مانع أن "تتمرمط" الوالدة أي مرمطة طالمة كان مُمَرمِطة وليست مُمَرمِط! كأولئك الراكبات في عربة المترو المخصصة للسيدات اللاتي يعتقدن لإنهن سيدات أن من حقهن أن يستلقين بمنتهى البراح فوق العبدة لله !
اقتراحي هو أن نحتفل العام القادم بمولد عيد الأم بشكل مختلف وأكثر واقعية بأن تحكي الأمهات خبراتهن في الولادة بمنتهى الصراحة والموضوعية في مستشفيات مصر. لا نذيع أغاني ولا أمهات مثاليات ولا كلام مقفى، فلنسأل الأمهات وأنفسنا بمنتهى الصراحة: هل نكن أدنى احترام للوالدة كإنسانة ؟ هل لدينا أي احترام حقيقي للأم؟ هي نفس الأم على أي حال التي عورة اسمها وعورة نسبها وعورة تربيتها التي هي "تربية ستات".
آه يا منافقين يا أفاقين يا كذابين
أيها السادة من أطباء وطبيبات النساء: أنتم بحق سخام الأرض.
" مسااااااااااااااء الخيييييييير يا مولاتي " .
مهداة لروح "عاصم" الذي لا يُعرف اسمه الحقيقي حتى كتابته
اليوم فقدت عذريتي الطبية وحضرت أول "كود بلو"، ما معناه مريض يحتاج إلى إنعاش. لم تكن مفاجأة إن هذا المريض هو واحد من العمال الذين يسقطون يوميا من فوق السقالات، ولكن عاصم كان سيء الحظ إلى حد إنه لم يستطع حتى أن يقع تحت يد دكتور علي الملقب – من قبلي – بالقوة الغاشمة. لم تكن بعاصم أي علامات حياة حين أتى إلى الطوارئ محمولا على يدي اثنين يعملان معه في نفس الموقع ولا يعرفان اسمه حتى، لا مهندس ولا مدير مشروع ولا إسعاف ولا أي شيء من هذا القبيل. عينه اليمنى متورمة جدا والدم ينزف من رأسه كله، من أنفه وأذنيه: ليست بعلامة جيدة على الإطلاق. يضع طبيب الطوارئ يده على صدر عاصم ما إن يدخل إلى الطوارئ فوق النقالة ويعلن "كود بلو". كود بلو يعني أن يتوجه أطباء وتمريض الحالات الحرجة للطوارئ لمحاولة إنعاش المريض. ما كان حظ عاصم سيكون أفضل لو كان قد وصل للمستشفى بين الحياة والموت، فالفوضى التي تم بها هذا المدعو "كود بلو" تدعو لليأس والرثاء. أطباء وطبيبات وممرضون وممرضات لا يعرفون كيف يؤدون إنعاش القلب ولا متى يبدلون أدوارهم. "كراش كارت" – عربة الإنعاش – ليس بها قطن ولا شاش ولا مدخل وريدي. تزاحم مرعب حول سرير عاصم وأناس يصطدمون ببعضهم البعض ويبحثون عن طريقة لنقله. كود بلو!
في خضم هذا التزاحم والفوضى وبينما لا أشارك في محاولة إنعاش عاصم وأهمس لطبيب الطوارئ: "ليس هذا إلا تدريب على جثة". لهذا – أشارك في تدليك القلب "بقلب جامد". إلا إنه في فترات ابتعادي خلف الجماهير أتأمل وجه عاصم. وجه مصري صميم، لعامل من عمال البناء، عمره 21 عاما ليس إلا. تملكني عجب شديد لهذا السلام المعدي الذي يعلو وجهه الراقد أمامنا وقد أقحمت فيه أنابيب التنفس وتورمت عينه اليسري جدا ودمه مازال يسيل من كل ما يمكنه من فتحات رأسه. تصف كتب الطب الشرعي ذلك السلام الذي يعلو الوجه عند الموت، إلا إن شيئا لا يعدك لتراه. من ذاك الذي قال إن شكل الجثث مرعب؟ لقد كان ذلك الشاب المسجى محطم الجمجمة نازفا أكثر الوجوه التي شاهدتها في حياتي سلاما على الإطلاق. أعرف من البداية إن الأمل في إنقاذه منعدم لإنني كنت سألت من أتوا به عن ساعة وقوعه تحديدا فأخبروني إن ذلك كان قبل ساعة. مع تكسر قاع جمجمته وكل تلك الحركات غير المحسوبة التي تعرض لها كانت فرصته في الإنعاش تشبه فرص إحياء السرير الذي سجي عليه هادئا، مسالما، مستسلما تماما بينما تقوم الدنيا حوله وتقعد بأقصى إنعدام ممكن للكفاءة. أشعر ببعض الرطوبة على ساقي لأكتشف إن دمه قد أغرق أسفل بنطالي وصندالي المفتوح بالإضافة للمعطف الأبيض. الدم ليس دافئا إنما فاتر. ليس من الحكمة أن ترتدي صندالا مفتوحا في مشفى.
أدخل إلى الحمام قذر الرائحة وأضع ساقي كلها تحت الماء والصابون وأتركه يجري مدة طويلة حسب الإجراءت المتبعة في حالة التلوث بالدم. أمسح ساقي وحذائي بالكحول وأكتشف إن رائحة الدم خانقة جدا.
بعد أن يعلن الطبيب المسئول وفاته أدخل وراء الستار لأتأمله للحظات. ما زالت ملامح وجهه المسالمة المرتاحة تأسرني. أرفع يده التي سقطت إلى جانب السرير. أتأمل يديه ورجليه اللتين تنتميان بلا شك لعامل مصري: متسخة ومتشققة، يرتدي فانلة شبه مهترئة ويربط بنطاله الذي يبدو واسعا جدا بالنسبة لجسده الصغير بسلك كهرباء بدلا من الحزام. بعد ساعات ألاحظ سلك الكهرباء هذا ملقى على الأرض عند باب الطوارئ.
يضع التمريض قطن وشاش في أذني عاصم وفمه وأنفه الذي ما زال ينزف من كل مكان. يثبتون رجليه في بعضهما ويعقدون يديه فوق صدره. ألاحظ حين أرفع رأسه جرح غائر بأعلى الرأس. أفكر في القاعدة التي تقول إن عشرة بالمئة فحسب من جرائم القتل تكتشف. أتساءل عن إمكانية أن يكون عاصم ضحية جريمة وليس مجرد سقوط عرضي. أظل أتأمله حتى يغطون وجهه بالكامل بالشاش والقطن، ثم يغطونه بالملاءة. ألاحظ إن كل هذه الاحتياطات لم تمنع دمه أن يستمر في النزف وينسال أسفل سريره.
كان على عاصم طبقا للقانون أن يظل في مكانه ساعتين بعد إعلان وفاته موصولا بشاشة قياس النبض وضربات القلب والأكسجين في الدم، وهو أحد الإجراءات المتبعة للتأكد من حدوث الوفاة. نغلق عليه الستار الرفيع ونبدأ في الحديث في محاولة أن نجعل الأمر يبدو طبيعيا. تحضرني بقوة قصة قصيرة ليوسف إدريس يحكي فيها عن حوار يدور بين طبيب وممرضة بينما ترقد جثة قتلها جراح مغرور بغروره في نفس الغرفة. لا أستطيع إزاحة القصة عن فكري. ربما لإن التشابه كان مفزع ورائحة الدم السائل أسفل السرير، ما لا يقل عن ثلاثة لترات، خانق.
أعود للبيت وعاصم في فكري لا أستطيع أن أزيحه: لا هو، ولا عبثية موته المبكر، ولا وجهه الذي يحمل سلاما سماويا لا يصدق. لا أستطيع أن أزيح من فكري أيضا إنه بلا اسم، مات بين الغرباء. مات لإنه عامل بناء أفقر من أن يكون في عمل بأدنى مستويات الأمان الشخصي.
لم يكن هناك من أحد لعاصم. أمشي مسافة طويلة على النيل أفكر فيه. حين أعود للبيت أوقد له شمعة وأقرر أن أتركها تنطفئ وحدها. هاهي شمعة حياته أمامي. أضع يدي عليها لدقيقة إكراما له لإنه مات وحيدا، بالرغم من إن وداعة وجهه الذي ودع كل ما حوله من ضجة وفقر وعمل غير آدمي يجعل الموت يبدو أكثر إغراءا من الحياة، ويفقد ما تبقى من الخوف منه. أفكر فيما إن كان من المحتمل إن روحه كانت تحوم حول فوضانا حول سريره وتبتسم بوداعة غير عابئة ولا مهتمة – لا أستطيع أن أتخيله يبتسم ساخرا من محاولاتنا البلهاء. السلام المرتسم على وجهه ليس سلام روح من الممكن أن تسخر.
تكاد شمعة عاصم تنطفئ. عاصم الذي قد يكون أحمد وقد يكون هاشم وقد يكون عبد البر وقد يكون وليد أو هو في الحقيقة كلهم. لن أنام قبل أن تنطفئ أمامي شمعة عاصم. لا أود أن أتركه يموت وحيدا مرة أخرى.
أو
هم يبكي وهم يضحك
أقف بجوار أحد المكاتب في غرفة الطوارئ ويدخل "زكي" الممرض الذي بدأت نوبتجيته مادا يده بما بدا لي إنه "شروع في مصافحة" فأمد يدي تلقائيا ليقول زكي بمنتهى البجاحة: "إنه ما بيسلمش على بنات" ويتجاهل يدي الممدودة "بالسلام" ويتضح إنه يمد يده لمصافحة الفتى الجالس إلى المكتب للخلف مني. أضحك ضحكة مكتومة وأقرر إن هذه نهاية تأخرت للمرحلة التي كنت فيها مصرة على مد يدي "بالسلام" – السلام، يا سلام، اتضح إن أحدا لا يلزمه السلام! – بمعنى: أن أمد يدي بالسلام هي هدية مني، مثلها مثل الابتسامة، ولن ألقي بقدسي بعد الآن للغنم.
كنت أنوي الكتابة بهذا الشأن قبل عدة أيام عندما حدثت واقعة إعلان زكي إنه "معلهش، ما بيسلمش على بنات"، وكسلت عنها، حتى تصفحت البديل اليوم في الحمام كعادتي فلم أصدق ما وقعت عيني عليه.
القصة باختصار هي إن في شيء هلامي بيشتغل مذيعة في قناة المنار رفضت أن تمد يدها لتصافح يد عمرو موسى الممدودة التي استقبلها بها قبل أن تجري حوار معه. أحاول أن أتخيل حجم الكِبْر والوقاحة وقلة الذوق وقلة الأدب وانعدام التمييز وبلادة الفكر والإحساس التي تجعل "عيلة" تظن نفسها إعلامية تتبجح وتتنطع إلى حد رفض يد ممدودة لتمنحها "سلاما"، ناهيك عن أن تكون تلك اليد يد دبلوماسي له وزنه مهما اختلفنا أو اتفقنا معه، بالإضافة لإن المذكور "ضيفها"!. يقول ياسر الزيات في عموده في البديل في الصفحة الخامسة بتاريخ الأمس الأول من إبريل إن عمرو موسى لم يفعل سوى أن رفض إجراء الحوار، وأن أرى معه – مع ياسر طبعا وليس عمرو موسى - إن هذا أقل ما كان يجب، وإن تلك "العيلة الوقحة" التي تربت على أيدي الذئاب غالبا في حاجة إلى درس أكبر من ذلك بكثير.
لا أنكر إنني بعد أن قرأت القصة صغرت في عيني قصة "زكي" وقصة أحمد عبدالله قبلها (وكل قصص من يمدون يدهم على امتعاض، وبتأذِ شديد)، وإن كان الرجل ربما يعرف في نفسه الهوس الجنسي فيرفض مصافحة النساء فخشي أن يصيبه مكروه وهو جالس إلينا نحاوره، والعيا مر كما يقولون. وتذكرت مع ياسر الزيات كاتب العمود كيف كانوا يعلموننا في الصغر أن نصافح بينما ننظر لمن نصافحه، وإنه من العيب حتى أن نترك يده ممدودة ولو لثوان قبل أن نسارع بمد أيدينا بالسلام. أما رفض المصافحة فكان يعتبر عيبة كبيرة في حق من يفعلها، تشينه، ولا يصح أن ترفض اليد الممدودة بالسلام ولو كانت يد العدو، إنما يبدو إن أحدا لا يرغب في السلام . أذكر أيضا إنني قرأت عددا لا بأس به من المقالات عن آداب المصافحة، وكيف إن على المرء أن يضغط اليد ناظرا لعين مصافحه ليرسل فعلا ذلك "السلام"، وفضيحة المصافحة بالقفاز والتي تعد من الكبائر لدى من يحترمون الآخرين، ووضع يد الآخر بين كفيك لتظهر تعاطفا أو دعما.
يقول ياسر الزيات أيضا إن الحكاية أصبحت "موضة" ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد لاحظ "ألِف" – غربية الكبير – إن الناس ليست لديها عادات مصافحة موحدة، فهناك من يصافح ولا يُقبل، وهناك من تتغير مصافحته مع مزاجه وهناك من يقبل من يراهم كل يوم،
وهناك من هم مثلي لا يقبلون إلا المقربين إليهم أو من مر على فراقهم فترة ما، وهناك من يطبعون قبلة واحدة على الخد، أو قبلتين أو ثلاث أو أربع قبلات مطرقعة كما صعيد مصر. فاقترح ألِف صاحب الأفكار الشقية أن يعلق كل منا ملصق أو علامة على صدره تدل على طريقته في التحية فلا يحتار من يحييه (وإن كانت تلك الطريقة لا تخلو من مشكلات. فربما أجامل صديقة فأقبلها بينما ترى هي علامتي التي تدل إنني لا أقبل عادة من أقابلهم كل يوم فتحاول هي العكس). على أي حال هي طريقة جيدة لحل مشاكل التحية في هذا المجتمع الذي يزداد خبلا يوم بعد آخر في السراية الصفراء الكبيرة المسماة مصر.
مش هأوصيك يا ألِف على العلامة التي مفادها: "إن شاالله ما عن أهلك سلموا".
ولا ننسى أن نرسل واحدة منها للسيد عمرو موسى، عله تعينه على من يقابل من أنطاع.
عزيزي المواطن: لا تكن بين السادسة عشرة والرابعة والعشرين وتسقط من مكان عال وتأتي لتصلح كسورك، خاصة لو كنت واعيا!
حتى تسمع صراخ انسان يتم جذب كتفه وجسمه في اتجاهين عكسيين لرد خلع الكتف بدون تخدير فأنت لا تعرف بعد معنى الرعب.
كنت أقول للأصدقاء إن الذكور المصريين لا يفعلون شيئا سوى أن يقعوا من أماكن عالية صباحا أو يُسقِطوا عليهم أشياء من أماكن عالية كنوع من التغيير، ومساءا يتعاركون سويا ويتسببون لبعضهم بجروح نافذة بآلات حادة. يأتون للمستشفيات فيصرخ الأطباء والممرضون ورجال الأمن فيهم ويزعقون ويتأففون من صراخهم المحموم. يُتركون في الممرات لأن لا بطاقات شخصية معهم – وهو خطأهم أن لم يحملوها معهم بينما يحملون "القصعة" ويصعدون السقالات رديئة الشد التي يسقطون من عليها. قد يأتي الضباط من القسم ويسبون أمهاتهم لو كانت هناك شبهة جنائية.
يشيع التمريض في الطوارئ إن الحالات تزيد حين أكون موجودة. أقول لهم إنه على الأقل في هذه الحالة لا يكون لديهم وقت للتعارك بالأيدي مع المسعفين – وهوما حدث قبلها بيوم حين تجمعوا ونائب الطوارئ وضربوا المسعف في معركة شوارع أمام باب الطوارئ الخلفي.
تأتي الأمهات برضع مرضى. مع حلول الساعة الرابعة مساءا لا يعود هناك أي مكان في قسم الأطفال، ولا مكان للرضع. كلهم مرضى بصدورهم. إحداهن تأخذها الطبيبة بدون أن تسدد الرسوم رغما عن التعليمات الإدارية لخشيتها إن الفتاة لن ترى الصباح لو خرجت، خاصة مع أمها محدودة الذكاء. الطفل المريض مسكين جدا، يكف عن البكاء والرضاعة والاستجابة ولا ينتفض حتى من الألم.
ينقلب التوك توك ويصطدم بسيارات وحوائط وبشر وغيرها. يقود التوك توك عادة ذكر تحت العشرين. في إحدى الحوادث يصاب الفتى و يسحبه زميل ويأتي به إلى الطوارئ ليدخل الصديق في سين وجيم وخناق مع الأمن والتمريض الذي يتلذذ باصطياد اثنين من الفتيان المساكين جدا، يهددونهم – بينما الفتى المصاب مازال تحت العلاج – بإنهم سيبلغون الشرطة التي ستأتي لتأخذ كلاهما. يبكي الفتى المسكين – المصاب - ويهرب بجلده خارجا دون أن يستكمل الاسعاف. "في ستين خرارة": يقول الملازم الذي حضر لاستلام محاضر اليوم. أنظر له وأقول إن الفتى لم يتهم أحد أصلا ولم يطلب الشرطة. يقول الملازم – الكبير في سن، يبدو إنه ضابط "مخلة" – آه، الموضوع لا يخصنا إذن.
ركبة الرجل معوجة تماما. شكلها غريب جدا. أسأل نائب الطوارئ: "تفتكر فيه كسر كمان ولا خلع في المفصل بس؟" يرد إنه من الصعب أن يكون مثل هذا الشكل الغريب مجرد خلع. ينزل نائب العظام. وجهه دائما مكفهر وخلقه ضيق. يصرخ الرجل فور أن يمس ركبته.
"لا يا دكتور، عايز بنج"
"مافيش بنج" – ويطرد زملاءه.
أطرد نفسي أنا أيضا. تعودت أن أطرد نفسي في أوقات معينة، حين أرى ما لا أرغب في تعلمه ولو من باب العلم بالشيء. لا أريد أن أتعلم كيفية رد العظام بدون مخدر ولا كيفية تقييد الأطفال ولا الخياطة بمخدر موضعي غير فعال ولا فحص ضحايا الحوادث بدون مسكنات.
أقابل المراهقين الصغيرين أصحاب حادثة التوك توك. يدفع الفتى زميله المصاب على كرسي ذو عجلات خارج المستشفى. أسأله عن اسمه. يبكي قائلا: "عبدالله". أقول له "سلامتك" فيبكي أكثر وتنزل دموع كثيرة. وأفعل ما وعدت نفسي ألا أفعله منذ بدأت ارتياد المستشفيات. أعطي لنفسي بعض الفرصة في البكاء بعد أن أخلع المعطف الأبيض الخانق في الحمام.
أرجوك يا أخي المواطن، لا تمرض ولا تصاب في حادثة ولا تقع ولا توقع عليك شيئا. أرجوك!
Dedicated to Mostafa, my friend who thinks I’ll give him an idea about the abuse of modafinil ,who hates benzodiazepines and writing his name with a “u”
I’ve read almost all the literature I could get my hand on. Actually, I have known about it for years after I first read on the research on the hypothalamus biological clock that earned its guy the noble prize who knows when. I just kept asking pharmacists about it, till I did find it. Having read a lot about the dream drug, I didn’t know what to expect, maybe because I almost never experienced what they were talking about. There was no “old me” I was craving to be again. I remember talking to Elset Naama a couple of years ago, when she said she doesn’t like getting older and wishes she was a teenager again. I said I didn’t care. Regardless of the philosophical views of experiences and such, I was neither more active nor more energetic when I was younger. In fact, my energy level is getting better year after year – physically speaking, and NO, it’s not a good thing.
I have struggled for energy since I was a kid. I was not sick, I suffered no chronic ailments or disabilities, but I seemed to always be lacking energy physically. Of course I was better when it was things I was motivated to do, but sometimes it was ridiculous. I mean, I had nothing against school, I was making perfect grades, I was sleeping by eight, and waking up feeling so tired at seven the next morning. I was six. There was just no reason that could come to mind. I was tired in mornings to the point of tears, and it took hours for me to get into the day. It got a little better in late childhood, to head back to square one in early teenage years, and get worse from there on. True, they say some people are just not morning persons, but that was beyond. No amount of sleep gave me a fresh wake up. I was spending more and more time in bed and being in the company of books didn’t help in making me realize I might be missing on something. In secondary school I was skipping days for the sole reason of being too tired, without a physical ailment and no, I wasn’t saying that so my parents would let me stay home. It seldom mattered anymore if the thing I was supposed to do is motivating to me or not.
Through college it was like a nagging pain that one can’t really locate. It didn’t help that I took a job as a flight attendant; the hectic sleep-wake schedule was too much for the already fragile energy chemicals. I remember vividly after finishing the service on flights that I sometimes just stared at the carpeting of the full plane and recruited all my self control to stop myself from just laying my fatigued body on the ground and lay my head to sleep and breathe. In fact, this feeling is one of the most vivid memories my memory of feelings has registered.
I never seemed to be on the same energy levels as my peers. I began faking excuses early, because teenagers don’t get “too tired”, and it seemed lame. Sometimes I went through the day by picturing my bed at the end of it. Somehow breathing was easier in the recumbent position. In college, when everyone was on their feet, I was looking for a chair. I once had to leave a camp to be able to get some rest and return. Not really flattering when you’re twenty two.
It was hidden well. I was an over achiever, so subtracting the lack of energy factor, I became an “achiever” and no one took notice. It really took decades, when I made a closer group of friends that they began to notice that I do seem to spend all my life in bed and fall off suddenly. I envied people my age who were always on the run and never seemed to fatigue. I employed yoga, meditation, tai chi, prayer, multivitamins, supplements, doctors appointments, therapy, diet changing, caffeine, detaching from life, antidepressants - nothing of which seemed to really work, nothing of which put me on the same level as those my age and my health status. And of course there were the headaches, terrible ones that started on my fifth year in school. They hit me just like that one day and I had my first aspirin ever (other than baby aspirin when I was a toddler), my mother never medicated us. I remember that I marveled when the pain was gone, I thought it was there to stay, because it was so bad. I thought something serious was wrong with me. I hadn’t known any pain like it before and I hadn’t known the marvel of pharmaceuticals before, either.
So, my enthusiasm when I heard about modafinil is understood. I got excited about Arcallion, that doesn’t even have the starch in the placebo. I never dared or even wanted to try amphetamines, I always wondered about them, but I really didn’t care much about the anxiety and the craziness, my cup was full and flooding already.
Two weeks ago, I had a deadline and I popped a 200 mgm pill of the oblong provigil tablet. Well, actually half of it first, and when I waited for a couple of hours for my world to rock and it seemed I was just sitting there staring at the laptop screen, I popped the other half, for a couple more hours I felt like my usual half-sleepy-on-the-couch self, and then I noticed something. It was almost 4 o’clock in the afternoon already, and I’ve been working for 6 hours straight, I even forgot to move my poor back. I finished, had still enough energy to prepare lunch, wasn’t tired at all, did three loads of laundry , called the movers to take my old bedroom furniture and was sitting up straight for an evening of work on the laptop. It might sound like a regular day to most thirty year olds, but it is never the everyday thing at my ville. Of course I noticed my back hurt at night because I was so into what I was doing that I forgot about it. I forgot to eat too and was a bit too active to sleep (probably because of that second half of the pill, but hey, patience was never my thing).
Last week, my second half a pill this time, was even more impressive (never underestimate placebo). On four hours of sleep, I was in college by time for 4 lectures and ten hours straight in the emergency room. I assisted in 15 trauma cases. I couldn’t believe it. This was definitely not me. At midnight I was so mentally alert it was frightening.
Today, I took my third pill. A whole one this time because I was really tired. It has been several days since I felt well. So, spring cleaning was done, my deadline was met, I spent the evening with a friend, carpets were scrubbed and cleaned and inventories taken. And here I am, writing this, so vividly alert, it’s almost divine. Maria, who spent the evening with me comments: “something is different about you, you’re active, it has been a long time since I’ve seen you like that”. Well, it takes Maria to notice that within an hour. And on that note, abundant energy is not all. I’m alert, mentally active, couldn’t be tired, craving mental activity, dying for a mentally challenging book like some sort of an itch! And, amazingly, unlike other chemical agents that elevate alertness, anxiety seems to flyaway, probably because one has no mental space to give for anxiety in a frenzied search for mentally challenging activities
Of course it’s not that simple. It’s hard to handle a 24 hour steady energetic state. One better choose the days of “provigilling” carefully. It is tiring in its own way. There is also the ignorance factor. It’s a new drug, we still don’t know. No one should take it on a daily basis, or even every other day except if it’s really worth it – I understand that in narcoleptics and people working with lives. I hate that school kids are using it to achieve more – the good ones, what kind of place have we put them in? I hate the fact the doctors are prescribing it way too much off label to be taken daily. I hate that it will give devils more mental power and let not the evil sleep. I love that it gave me days like those of thirty year olds. I love that it alleviated my anxiety on a tough hospital day without wearing me down.
Is it worth the price? 70 Egyptian pounds per a 200 mgm pill is a lot, but hey, one only needs half a pill and only once a week or twice at most, that tough start that gets the week going, or that terrible Thursday one just can’t take, or that last night before surgery’s final exam.
That’s not the scary part though. The real horror is this: “If it’s antidepressants that give people a positive outlook on life and a forgiving lovable self, and it's anxiolytics that make them take decisions more rationally and it's stimulants and "performance enhancing drugs" that makes them alert and memory sharp, what’s left of the real person? Without the positive outlook of SSRIs and the motivation of NSRIs and the rationale of short half-life benzodiazepines and the jitters of caffeine and the energy of modafinil… , who the hell are you? Who the hell is anybody? It’s a new world for sure, but I doubt it’s brave, or else, it wouldn’t have took it all these chemical equations just to look the morning in the eye.