التعذيب عندنا... وهما مننا (1)
التسميات: تعذيب
جئت الدنيا لأجلس على المقهى ... وأسخر!
التسميات: تعذيب
أنا مش تبع مخلوق يا سيدنا البيه
أنا حر فى اللى يقول ضميرى عليه
..اذا كنت تحكم جوا ملكوتك فالشارع الواسع فاتح لى أيديه
قولوا له يا ولاد الشارع لمين ؟
الشارع لنا أحنا لوحدنا
والناس التانين دول مش مننا
دول ناس أنانين في أماكنهم واقفين
دول مش مننا
(1)


لم يقم طبيب مستشفى الهلال التي تم تحويل نانسي إليها من قسم الشرطة لبيان إصاباتها بعد تهريب المجرم بالكشف على نانسي كما يتوجب وبالرغم من وضوح كونها ضُربت على رأسها وبالرغم من محاولات أمين الشرطة البسيط دفعه لذلك، لم يقم بواجبه، وأكرر مرة أخرى برغم محاولات أمين الشرطة الذي شهد تقيؤ نانسى وهو علامة من علامات الارتجاج داخل القسم ورغم محاولة هذا الأمين أن يكرر طلبه بأن تدخل نانسي الخطيب إلى غرفة كشف ويتحقق من إصابتها، كما لم يقم الضابط الذي قام بكتابة المحضر بسؤالها عن ألفاظ السباب التي وُجِهت إليها والكفيلة بحفظ حقها القانوني في السب والقذف والتحرش
http://www.almogaz.com/politics/news/2012/02/8/182161?fb_comment_id=fbc_10150563244099300_21903908_10150563285674300#f28cc7ebb4187f2
من المتوقع أن ينهار جسد مايكل نبيل سند خلال أيام قليلة، مايكل داعية السلام وإن كرهتم، رافض التجنيد الإجباري في الجيش الباسل وإن امتعضم وأحد مؤيدي اللاعنف وإن تأففتم وبصقتم وزففتموه بالسباب. هانت، سير الأمور ينبىء بأن مايكل سيريحكم من مأزق دعمه قريبا.
قررت أن أكتب الكلمتين إل جايين دول لأنني أنوي أن أكون صادقة مع نفسي ولا أنعي مايكل نبيل، عشان لما مايكل نبيل هيموت جوعا سيتحول فجأة إلى بطل الساعة وأهي فرصة نشرشح للمجلس العسكري والمحاكم العسكرية راقصين على جثته. توقعي وقتها هو أن تتبارى الأقلام والبرامج والمواقع والنشطاء في الولولة ونعي "شهيد" حرية الرأي، لذلك وقبل أن يموت حبيت أقولكم ياريت ساعتها تنكتموا وجاتنا جميعا ستين نيلة أكتر م إل جايانا عشان إحنا نستاهل كل نيلة منهم وأي من هيفتح بقه ينعي مايكل يقفله أحسن ويخلي عنده دم لأن ساعتها دي هتبقى تجارة فجة بجثته.
نحن، الثوار، الذين نادينا "حرية، كرامة إنسانية" ووضعنا أجسادنا فداءً "للحرية" قضينا شهورا بينما مايكل يعيش رسالته ويدفع ثمنها حتى الفلس الأخير من صحته ولحمه الحي نتجادل حول "لياقة" مساندة "داعية سلام" وشخص من "رافضي العنف" ومناسبة ذلك ومنافعه ومضاره على الثورة والمقاومة بينما كان جسده ينهار يوما بعد يوم. نحن أرازل النشطاء الذين دعمناه بعبارات من نوع: "خليه يخرج من السجن وبعدين يروح في ستين داهية"، نصبناه "محب للصهاينة" وهو ما لم يقله يوما. ثم أفقنا بعد نحو من فقدان مايكل نصف وزنه ونصبنا أنفسنا أبطالا محايدين عندما اكتشفنا إننا سنؤكل يوم يؤكل مايكل نيبل وقررنا إذ فجأةً بدون أي تفكير في منفعتنا الشخصية أن قضيته في النهاية قضية رأي لابد من الدفاع عنها بعد أن عصرنا على نفسنا فدان ليمون أضاليا عشان نستحمله جاه القرف في رأيه الزبالة ولكن ماذا عسانا أن نفعل؟ نحن أصحاب مبادىء لا تتجزأ. استقبله السجن الحربي وسط لعنات الأقباط ومعظم النشطاء وما هذا الصهيوني العميل محب إسرائيل إل هنهزله طولنا وندافع عن قضيته؟ نكل به دعاة "المقاومة المسلحة" حتى أنسوا الناس اسمه ومعاناته وجعلوه مرادفا "لعميل إسرائيل"، واستكمالا لسفالتنا معه نكل به الأقباط لأنه تجرأ على نقد الذات العليا في الكنيسة الأرثوذوكسية التي تفاخر الكاثوليك بإنها لا تعترف بعصمة لبطريركها، ثم إن مايكل ملحد، مالنا وماله؟
سنمارس نحن النشطاء بعد انهيار جسد مايكل ألعاب العهر التي نجيدها بكفائة ونفرق دمه بين القبائل. سنبلغ قمة العهر ذاك في نعي "البطل"، بل ربما نتجاوز ونعتبر مايكل نبيل "بطل من أبطال الثورة".
إلهي وإنت جاه نتنيل ساعتها ونسكت ونستحي على دمنا.
لقد وَضَعَنا مايكل نبيل في اختبار حقيقي ورسبنا جميعا وكان سقوطنا مدويا. أغرقنا البلاد نعيقا عن حقوق الإنسان وحيادها عن أي معطيات وزعقنا"ولا نرضى بالتعذيب ولا لحبيب العادلي". حتى جاءت ساعة الامتحان. أتم أحد أشجع ثوار يناير دوره كاملا بأن نفذ بإرادته: "طعن الخناجر ولا حكم الخسيس فيا" بل واختار ما هو أصعب من طعن الخناجر، الاضراب عن الطعام والدواء، ناهيك عن أنه كان أول من فهم لعبة العسكر ونحن مديونون له حتى النخاع. فهل أفقنا وانتبهنا لامتحان مبادئنا واختياراتنا؟ على الإطلاق! جاميه! أغرقنا مواقع التواصل الاجتماعي نقاشا وسجالا حول "رأي" مايكل، الذي يفترض أننا، ،نحن النشطاء المثقفون المترفعون عن الشعب الجاهل بثقافة حقوق الإنسان وحرية الرأي لا نسأل من الأساس ما هو هذا "الرأي". بلغ ببعض منا التبجح بقوله أن ربط قضية مايكل نبيل بقضايا المحاكمات العسكرية "هيخسرنا كتير". أصحاب مبادىء صحيح، ثوار طاهرون.
دم مايكل نبيل لن يلوث أيدي العسكر، سيلوث أيدينا نحن جراء تذبذب مواقفنا وميوعتنا ومياصة دفاعنا عن "حرية الرأي" حين لا يعجبنا الرأي أمام صاحب رأي رفض التنازل أو التراجع قيد أنملة. حق حرية الرأي والتعبير التي بارينا بها الخلق المتخلفين البهائم الذين لا يفهمون يعني إيه حرية رأي حين لم يعجبنا الرأي أصبح محل نقاش عبثي من نوع "هو ده رأي؟"، "لا مكان لرافضي المقاومة المسلحة بيننا" .النشطاء المثقفون واضحو المبادىء كالشمس الساطعة في أغسطس يعرفون تماما هذا المبدأ ولا يحيدون عنه، إننا الثوار الأطهار، أعيننا مغمضة كالعدالة في "مسألة مبدأ"، كل ما في الأمر إننا قضينا شهورا فقد فيها مايكل نصف وزنه وصحته نتجادل "هو ده رأي ولا مش رأي"؟
مايكل نبيل سند برقبة قورطة من نشطائنا. أكتب هذا الكلام قبل وفاته لأنني لا أنوي أن أنعيه. مايكل نبيل برقبتنا لأنه عاش ما أعلن إيمانه به بالضبط. كتب إنه مؤمن بالمقاومة السلمية وتمسك بمقاومته السلمية على طريقة غاندي بالإضراب عن الطعام حتى النهاية، رفض الاعتذار ورفض أن يحني رأسه، كتب موضحا إنه مستعد للموت ولم يتراجع. سواءً أعجبتك طريقة غاندي أم لم تعجبك فأنت أمام انسان لا تستطيع أن تمسك عليه خطأ التلون والخذلان وخزي الميوعة. خاض معركته بلا سند وبلا نقطة دم واحدة. مات من أجل ما يؤمن به بدلا من أن يَقتل من أجله. . أما نحن الأطهار الذين لا نتهاون في الدفاع عن حرية الرأي والتعبير فقد هشتجناه ونظمنا له مسيرتين تلاتة ولم نتوانى عن التغريد: "أساند مايكل نبيل رغم إنه كذا وكيت"، "أساند مايكل رغم إنه إبن هرمة صهيوني"، "أساند مايكل رغم إن ما عنديش مانع أسلخه حيا" "أساند مايكل بالرغم من إنه عميل" وتويتر عندكم، اقروا "مسانادتنا" لمايكل.
لذلك أرجوكم رجاءً حارا ألا تقتلوا مايكل نبيل مرة أخرى في قبره بعد أن قتلناه في زنزانته. اسكتوا، اتركوا الثابتين على حقهم في حرية الرأي والتعبير وأصحاب العزيمة في حالهم. لا يحتاج مايكل منكم التفضل عليه بلقب شهيد، ما تخلوش ال ف القلب ف القلب، قولوا إل ف نفسكم "غار في داهية إل بيحب الصهاينة" حسب ما قوْله من قوله. أخرجوا ما في النفوس وقولوا غار بتاع المقاومة السلمية وريحنا من قضيته إل كانت ممخولانا وأوف، يع، الواحد مضطر يتضامن مع واحد زيه.ما أرجوكم ألا تفعلوه هو أن تبجلوه وتعظموه وتنصبونه أحد "أيقونات" الثورة وتلاعبوا به العسكر والإعلام العالمي. فمايكل نبيل الذي وقف بلا دعم يذكر يواجه الجوع والضعف والتنكيل بإيمانه بقضيته منا ومن عرجنا بين الفرقتين براء.
العني إن نعيت مايكل نبيل سند بكلمة. فنحن لا نستحق حتى أن ننعيه.

طيب، مادام وجبت، خليني أحكي الحكاية. كنت واعدة نفسي ما أكتبش حاجة شخصية عن علاء ومنال المرة دي وهو في الحبس وأقلد منال من المرة إل فاتت وأبقى عملية. بس أنا عيلة ولما أصطبح على صورة علاء مكتوب عليها "ما تمنعوش الصادقين عن صدقهم" هأعيط وهأرجع في كلامي ومش هأعمل جامدة وعملية وناشطة وعمل أهلي والليلة دي.
علاء أصغر مني بخمس سنين. أول ما عرفته كان أصغر مني بأكتر من كدة بكتيروده مفهوم. إل جمع بيننا ومجموعة كبيرة تانية من أجمل ولاد وبنات مصر وكأنهم لقوا بعض في الزحمة كان ظهور المدونات. الكلام ده في 2004 – 2005، لما كانت المدونات زينة الكتابة المصرية وكان التدوين مأخوذ بجدية شديدة والمناقشات علي التدوينات مأخوذة بجدية أشد، أيام ما كانش حد من المجموعة المدوِنة الصغيرة يجرؤ يكتب تعليق قبل ما يقرا التدوينة بالكامل ويدرسها، من جهة لأن الناس كانت واخدة الموضوع بجدية ومن جهة تانية لأنه عارف إنه لو كتب من غير ما يفكر هيتفرم بعدها بعون الله ، ده كان قبل ما التدوين لا مؤاخذة ما "يلم" وكل واحد معدي يقراله سطر في تدوينة يلاقي إنه الواجب عليه يكتب أي كلام في أي حاجة عن أي حاجة دارت في مخه وهو بيهرش مصحوبة بالسباب المناسب لمكان الهرشة واترشقت المدونات بالأرازل إل بياخدوا على عاتقهم مضايقة مدونين بعينهم لأسباب شخصية بحتة وتحيزات وتعصب.
بدأ علاء ومنال وقتها الاهتمام بالمدونات كوسيلة للإعلام الشعبي والعمل السياسي ودعموها فنياً بوسائل متعددة منها وربما أهمها "جردل منال وعلاء" إل جمع كل التدوينات التي نُشِرت على كل المدونات وكانت تظهربشكل يومي تلقائياً على المجمع وتحول التدوين بقدرة قادر لجريدة يومية حملت أنظف أفكار في مصر وأعمق ما يمكن أن تقرأه وقتها ثم انفصل المجمع التدويني إلى كيان منفصل بإسم "عمرانية".
كنت في ذلك الوقت وحيدة تماماً، مرهقة من الذهاب والعودة من السعودية بالإضافة للدراسة والوحدة بعيداً عن زوجي الذي كان كل منا للآخر الصديق الوحيد وقتها تقريباً، نشعر باقتراب الكارثة والعزلة والغربة في مجتماعاتنا المعتادة. لسنا من عائلات مناضلين ولا يجمعنا بمن يمكن أن نتلاقى معهم أي شيء وأصبحنا نشك في وجود من يمكن أن نتلاقى معه فكرياً حتى ظهروا على العالم السحري للمدونات.
"جردل منال وعلاء"
لأن علاء ومنال لم يكونا أبداً شخصين اعتياديين، لم يكتفيا بجمعنا في الجردل الافتراضي. أثناء استقلالي لسيارة أجرة في وقت قريب من الوقت الحالي من السنة رن تلفوني المحمول العتيق حالياً برقم غريب. لا تندهشوا إنني أتذكر بالحرف والصورة ما سأحكيه الآن: كنت أستقل سيارة الأجرة من غمرة إلى الدمرداش وفاجأني صوت لطيف يعرفني لتعرفني منال بنفسها وتدعوني لعيد ميلاد علاء يوم 18 نوفمبر 2005. المكالمة محفورة في ذاكرتي ربما بسبب الوحدة والمفاجأة بمبادرتهما بالاستلطاف ولم شمل من لا يعرفون بشكل شخصي. دخلت بيتهما يوم عيد ميلاد علاء الرابع والعشرين للمرة الأولى وتعرفت هناك على من أصبحوا بعدها أماكناً في القلب حتى لو بعدوا أو تفرقوا. ولوقت طويل كان بيتهما "جردلنا" الذي يضج بالضحك الذي يكاد يوقف قلبك والمناقشات الجادة التي تجلب الصداع وفحص وتمحيص كتابات وما يحدث في البلاد وتجمع بعد المظاهرات وتسامح لا يصدق بين أصحاب اتجاهات تباينت شرقاً وغرباً. الأصدقاء هناك وكل واحد داخل وف إيده ما تيسر، ليتوفر عيش وملح على الترابيزة وموسيقى تختلف ألوانها حسب الواقف أمام الكمبيوتر في الحجرة ومزاجه في تلك اللحظة والسخن والساقع في المطبخ وباب حجرة مكتوب عليه: "تسقط دكتاتورية الأمهات" بخط علاء المراهق حيث كان ذلك بيته الذي عاش فيه مع والديه فترة قبل زواجه وقطط في كل مكان من أعمار متعددة.
وقتها، في عيد ميلاده الرابع والعشرين كان علاء يصغرني بأكثر من الخمس سنوات الزمنية بكثير، لم تكن التظاهرات والعمل السياسي أنضجاه بالشكل الذي حدث معي ويسري مثلاً لأنه تربى عليها، مظاهرة بالنسبة له لم تكن أكثر من حدث عادي، حين سرقوا منه اللابتوب في اليوم الشنيع للاستفتاء على عار تعديل الدستور في 2005، اليوم إل انضرب فيه الجميع بدرجات مختلفة من قبل مسجلين أشبعوهم مواداً مخدرة تعجبت جداً إنه نزل المظاهرة من الأساس بلابتوب غال الثمن وعليه معلومات كثيرة من عمل وغيره لأكتشف أنه ببراءة نزل به لأن المظاهرات "عادي يعني" وليه أصلا هيسرقوه منه!! أقوله يا علاء ده أنا ما بأنزلش المظاهرة بالساعة، لم أفهم وقتها شكواه طوال شهور بعدها وحنقه على اللابتوب وإنه يريده وأظن الآن أنه كان يعتقد فعلا أن إرجاع اللابتوب ممكن لفترة طويلة بعدها. أذهلتني براءته وقتها. يا علاء، اللابتوب ما يتركبش بيه أتوبيس وبالتأكيد ما يتنزلش بيه مظاهرة. جدير بالذكر إن أول مرة دخلت بيت علاء في عيد ميلاده دخلنا في نقاش شتمني فيه لأنه كان يعتقد أن تدوينة كتبتها وقتها تحمل تعدٍ على حرية الآخرين في اختيار أمر هو نفسه لا يؤمن به بل ويكن له في كل مناسبة – ذلك الاختيار وليس من يختارونه – كل معارضة. دي كانت أول معرفة شخصية لنزاهة علاء عبد الفتاح، اللقب العائلي الذي اختاره من بين اسمه الخماسي.
"اللون الرمادي ده أنا ما أحبوش"
سيشهد الأصدقاء وقتها إن علاء وأنا نكدنا عليهم جلساتهم فترات طويلة. لما نمسك في مناقشة ما نسكتش ولأننا نختلف في مواقف كثيرة كان الجميع ينزعج من صوتنا وإصرارنا على إكمال المناقشة بغض النظر عن الوقت الذي مر باندماج حياة أو موت. يترجوننا أن نتوقف. يحلل يسري الأمر بأن المحرك الأساسي لأصحاب الشخصيات التي تشبه علاء وتشبهني هو الشغف الشديد في كل ما يؤمنون به وبالتالي لا يعبئون إلا بالانخراط فيما هم شغوفين به وبعدها يصبح الأمر شخصياً وليس مجرد موضوع نقاش يمر وحين يظهر موضوع "الشغف" يتم إطفاء الأنوار عن كل ما هو خارجه ويصبح هو وليس غيره موضوع "الحياة". لو أردت أن تعرف مدى الجدية التي يأخذ بها علاء ما هو شغوف ومؤمن به ممكن أحكيلك على التهزييء إل كنا بناخده لأننا بنستعمل نظام "ويندوز" على كمبيوتراتنا بينما أنظمة البرمجيات الحرة متاحة وعنده استعداد لمساعدتنا في استعمالها وبلغت به الحماسة أن أعلن إنه لن يساعد أحد يعمل بنظام ويندوز حين تواجهه مشكلة تقنية قائلاً تستاهلوا، وعلاء طبعاً لمن لا يعرف من أقطاب "لينكس مصر" حيث تأكل البطاريق الطعمية. أنا فاكرة مرة في زيارة صرخ فينا عدد من الأصدقاء: "كفاية بقى، زهقتونا" فصعبوا علي وقلت لعلاء: "خلاص يا علاء كفاية المناقشة لأنهم اتضايقوا" فرد في ثانية واحدة "يسلوا نفسهم في إل هم عايزينه، ماحدش جابرهم يسمعونا، إحنا مش الأراجوزات إل شغلتنا نسليهم". هذه الجملة تأتيكم بختم علاء عبد الفتاح صاحب أحد الأماكن المميزة في القلب وإن تغرب أو بعد أو حتى كرهني، أختام القلب أيضاً لا حكم لنا عليها.
"السجن للجدعان"
لم يكن علاء وحده هو غير المستعد لتجربة السجن الأولى حين قبض عليه في إبريل 2006 وقت تحركات دعم القضاة. ولست أحاول هنا حاشا أن أقارن بين ما مر به في الداخل وما مرت به منال أثناء اغترابها عنه وما مررنا به نحن من أصدقائه. هذه مجرد حكاية عن تجربة شخصية تُعَرِف علاء كما عرفته، بعيناي، تحول المُعتَقل علاء لمن لا يعرفه للإنسان الذي عرفته. ليست تدوينة سياسية ولا حملة لإطلاق سراح علاء. إنها خواطري الشخصية. كان دخول علاء الصديق المقرب من أصعب التجارب التي مررت بها أنا شخصياً في حياتي. مر علي وقت أحسست فيه أن الأسهل أن أكون أنا المسجونة لأن إحساس العجز كان قاتلاً وكاد لو تعرفون أن يكون. لم أستطع أن أُعبر لأحد عن انهياري في الأيام الأولى، أولاً لقضائي معظم الوقت في الأيام الأولى مع منال وثانياً لأني قدرت أن باقي الأصدقاء يمرون بما أمر به فلا معنى أن نتبادل الانهيار. هل تتصورون أن علاء كان يقول أن من يعمل بالسياسة لابد أن يكون مستعداً لأن يُسجَن ويعذب، ربما ببساطة لأن تلك كانت تجربة والده المناضل أحمد سيف هو نفسه علاء الذي تعجب وغضب واتخذ اجراءات فعلية بشأن سرقة اللابتوب الخاص به من قبل الأمن في مظاهرة؟ ألم أقل لكم إن علاء وقتها كان أصغر مني بكثير وليس بخمس سنوات فقط؟
كانت أيام العرض على النيابة فرصاً لرؤية علاء ولو من بعيد. من المواقف المحفورة في ذاكرتي خروجهم يوماً بشكل مفاجىء بينما كنت خارج نيابة أمن الدولة في ميدان المحكمة وإسراع سيارة الترحيلات لتهرب منا لتمسك بها الدائرة المغلقة لميدان المحكمة الذي أغلقت السيارات بالشكل المعتاد الممرات كلها على بعض وانحبست السيارة. أركض حتى الميدان وأنادي من عند الفتحة المغطاة بالقضبان المعدنية: "يا علااااااء". يسمعني فإذا به يقول: "جاااين، إزيك يا بت!" (محدش في الدنيا مسموحله يقول لي يا بت بس الظروف بقى). أسأله عايز حاجة؟ يقول: "تعالي زوريني"، أرد: "حاولت نروح مع العيلة ما رضيوش يدخلوني يا علاء". أودعه بعد أن يُفتح الطريق أمام سيارة الترحيلات. كنت قد حاولت التسلل لزيارته مع منال ومنى ولكن انتهى الأمر بأن قضينا نصف اليوم في ساحة انتظار سجن طرة استقبال ثم لم يسمحوا إلا بدخول فردين من العائلة لعشر دقائق. سمعت بعدها أغرب سبب لمنعنا من التساهل في زيارته: "علاء قالب الدنيا جوة عشان الجوابات ما وصلتش". حتى في السجن يا علاء مش عاتقهم؟
خرج علاء من الحبس بعد 45 يوماً وزرناه واطمئننا عليه بينما آثار التجربة ما زالت عالقة، ليس فقط في شعر رأسه الحليق. شعرت إن فارق العمر الفعلي بيننا بعدها بدأ يضيق. علاء كبر وتغير كثيراً. ظللت أبحث عن ذلك الشيء المفقود لكنني لم أستطع أن أضع يدي عليه تحديداً. ثقلا جديدا، تباعدت جلسات الضحك والمناقشة ومشاطرة العيش والملح وانخرط علاء بقوة أكبر في هوسه الأول: البرمجيات الحرة وحرية الانترنت وسافر. افتقدته ومنال بشدة، اعتدنا بعدها أن يجتمع الأصدقاء المشتركين في بيتنا ولكن فراغاً قوياً كنت أحسه، لما يمل الأصدقاء المناقشة بعد وقت قصير فاقول بصوت عال: "فينك يا علاء يا صاحبي ما كنتش هتسيبني أفلت بيها".
"قولوا للكلب العادلي وسيده... بكرة الثورة هتقطع إيده"
لست أدري إن كان علاء ومنال قد قررا السفر يأساً أم أملاً أم بحثاً عن عالم جديد. المؤكد أن علاء ومنال الذين أعرفهما عادا فوراً للقيام بما هو باق في القلب. ما صرخنا به وعشرات لسنوات وكإن حياة بُعثت في هتافتنا التي كنا نجاهد لتعبر حاجز جحافل الأمن المركزي. الشغف، لم تتمكن إغراءات الحياة الجميلة أن تطفىء الجذوة ووجدنا علاء ومنال وسطنا. بعد سنتين سعدت إنهما موجودان ولو من بعيد. عادا ليشتركا في ثورة تنظيف مصر، لتنفيذ كل ما هتفنا به: "أمن الدولة كلاب الدولة"، "لا لمبارك أب وابن، لا للفردة ولا الاستبن"، "كله هييجي عليه الدور، تقفوا كدة ورا بعض طابور".
"علاء الجدع، النزيه والشريف"
لم يحاول علاء يوماً أن يلعب دور البطل، بالرغم من أن ذلك كان ممكنا له لأسباب كثيرة ومتاحا في مناسبات عدة، بل اختار الاختيار المعاكس: كان يضيق بصورة البطل وينكرها. كان يعمل ما يراه واجباً وما يؤمن به، لم أره يوماً يتصرف بعكس ما يعلن أو حتى ما يقوله في الدوائر الضيقة. خياره بسيط جداً: سأتصرف دائماً بما أعتقد إنه الصواب وما يجب أن يكون. بعد سجنه الأول ضاق من تصويره كبطل قومي وعبر عن ذلك أكثر من مرة صراحة وضمنا، إلى هذا الحد كان يرى أن من عانوا أكثر وعملوا أكثر هم من يستحقون ألقاب النضال. حياته كلها مكشوفة، كنا تعلمنا وقتها في مواجهاتنا مع النظام أن نجعل كل تصرفاتنا "على عينك يا تاجر" وكان الأغبياء مصرون أن يبحثوا عن عمل سري بينما نحن نعلن في كل مكان ما نفعله. غباؤهم دائماً في الخدمة. لم يخف يوماً رأي من آرائه تخوفاً من نظرة الناس لها وأعتقد إن ما فعله في النيابة العسكرية لا يخرج عن ميزان تصرفاته البسيط: "الا يخون ما يؤمن إنه الصواب في موقف ما". علاء عاش ما يؤمن به ببساطة وبخفة روح وبضحكة مجلجلة لا تنفي المعاناة وها هو من جديد يعلي سقف النضال ضد العسكر وضد الظُلمة التي اعتمت ثورة شريفة قام بها أمثال علاء ويتربح منها أمثال... ما علينا.
علاء فعل ذلك لأنه جدع ونزيه وشريف ولا يقبل أنصاف الحلول. الشغوفون لا يطيقون أنصاف الحلول، تصيبهم بالضيق ولا يتحملون طبيعتها المزدوجة. لم يفعل علاء ذلك لأنه "دكر". علاء سينجب خالد مع رفيقة حياته منال لأنه "دكر" أما بخلاف ذلك فأظنه لن يعجب باللقب الذي حملوه إياه للدلالة على شرف ونزاهة.
خالد، ثمرة الأمل في الثورة، كأن منال وعلاء كانوا بانتظارها ليثبتوا بشكل شخصي كيف غيرت حياتهما.
وبالنسبة لي بشكل شخصي فلو قلت لعلاء يوماً "لا يا واد...دكر" أظن إنه هيشتمني لأنه يعرف تماماً إنني لا أستخدم الألفاظ الذكورية إلا في السخرية من الذكوريين وأنا بأخاف من غضب علاء عشان بيزعق في.
علاء صديقي الذي كان شريكاً أساسياً وفاعلاً في الدفاع عن حقوق التشريح وتهدئة الأهالي في اليوم العصيب لمذبحة ماسبيرو في المستشفى القبطي وبكاؤه الذي لم يخفيه هو علاء الذي أعرفه، لم يتغير بعد الغربة. كان فاعلاً أساسياً في إزاحة من تواطئو لمسح الدم وقتل الشهداء مرةً أخرى. ما بين الحزن والتصميم والبكاء على الغلابة الذين يستهدفهم البطش رأيت كيف تقاربت أعمارنا وأصبحنا في عمر واحد. ربما يكون هذا هو التغيير الوحيد في علاء الذي لاحظته. كبرت يا علاء غصب عنك أمام المدهوسين والأصدقاء الذين تصيدتهم رصاصات الغدر. من لم يبك معك يا علاء لما كتبت "مع الشهداء ذلك أفضل جداً" أظنه يعاني من بلادة ما وما أكثرهم بيننا. حاسب يا علاء من الخيانة إل جاية من قريب. قبل أيام من حبسك كنت تقول لي أن الانتخابات لابد أن تتم بأي شكل لأننا في الشارع مخترقون من كل الجهات. احذر يا علاء، ربما يكون هذا الاختراق أقرب إليك مما تتصور.
يا علاء، يوم 18 نوفمبر هنحتفل بعيد ميلادك الثلاثين. أنا عارفة إنت قد إيه بتخاف تعجز. بس متهيألي إل زيك ما بينفعش يعجزوا. هنحتفل بك وإنت بتنتقل لعقد تاني في بيتك أو قدام سجن طرة. هذا عيد ميلاد لن نمرره كأي عام ممكن يتعوض. سلام يا علاء يا صاحبي لحد ما أشوفك
*الصورة فكرة هنا زين ونفذها شمعي أسعد