الثلاثاء، مارس 24، 2009

كل ما يعجبك وسرح شعرك كما يعجب وائل

جلست في الأسبوع الماضي أمام بعض المراهقات أتحدث وأفتش أدمغتهن عما فيها ففوجئت بهن تعلمنني "حدود" الكلام وتخفن أن تفكرن في أي شيء دون أن أعطيهن مثلاً عليه لتقلدنه.  عبرت بعضهن عن أن المعرفة لابد أن تكون لها حدود، فخفت.  ولي الحق أن أخاف، لو لم نخف حين يقرر مراهق أن يضع حدوداً فمتى سنخاف؟

 أخذني الموضوع طوال الأسبوع، وحاولت أن أفكر في طرق اختراق عقل مراهقة قررت أنه من الأفضل ألا تعرف ولا تفكر وأنه بكفاية ما عرفته أو لم تعرفه حتى عمر الخامسة عشرة.  حاولت أن أفهم ما يمكن أن يصل بمراهقة لهذه الفكرة، فالفكرة في حد ذاتها مضادة للبيولوجيا والكيمياء وعلوم الانسان ولابد أن خللاً جللاً قد أصاب العقول البكر وبالقطع لنا يد فيه، فهذا ليس إلا عبث ملقنين من أصحاب الحقائق المطلقة.

 وفي هذه الأثناء شاهدت بالصدفة برنامج "الخناقات" "الحقيقة" الذي يقدمه وائل الإبراشي.  على عكس المعتاد شاهدت ثلاثة شباب يتحدثون بهدوء ومنطق وتركيز ويعرفون على الأقل ما يريدون أن يقولوا بالرغم من أنني لست إلا على علم بسيط بموضوع "العاطفيين" المعروف بـ(إيموز) الذي يتحدثون عنه ولا يهمني كثيراً، إنما لفت نظري حضور أذهانهم في المناقشة وتركيزهم وقوة حجتهم مقارنة بوائل وأعوانه.  وائل كان مشغولاً جداً بشكلهم، لأن الفتيان الثلاث كان شعرهم طويل وذو "قصة" يسرحونها للأمام. على عكس الأولاد، لم يستطع الأخ وائل أن يحرر ذهنه من انشغاله بمظهرهم ليفكر في ما يقولون.  وطبعاً طالما نتحدث عن فتيان ذوي شعر طويل فلابد أن نتحدث عن "العو"، أي ما يسمونه "الشذوذ الجنسي".

 على الجهة الأخرى من الطاولة أجلس وائل شخصاً كتب تحت اسمه: أستاذ علم النفس التربوي.  يا ما شاء الله.  أستاذ علم النفس التربوي هذا أيضاً لم يستطع تخطي مظهر الشباب الذي صعب عليه طول شعرهم وضيق بناطيلهم (مع إن مظهره هو بشعره الذي يزيد طوله عن خمسة سنتمترات ويصففه للخلف والمصبوغ بالحناء لتغطية الشعر الأبيض لابد وأنه كان ليصعب على المرحوم والده) .  هذا الأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله قرر وهو جالس على الناحية الأخرى ولم يتحدث مع الشباب إلا فيما يقل عن الساعة أنهم بحاجة لقياس سلامة قواهم العقلية - قبل أن يتعامل معهم (لأ هيدخلوا الجنة يا خي).  يعتقد الأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله أن مجاراة المجتمع هو مقياس "سلامة القوى العقلية" (مما يشككنا في قواه العقلية هو شخصياً). لم ينجح وائل ولا الأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله في مناقشة الشباب في أي شيء سوى كلمتين: شعركم طويل وشذوذ جنسي.  لم أفهم أنا أي شيء سوى إن وائل والأستاذ إلى آخره مستاءان جداً من حلاق الأولاد والترزي تبعهم وأن هؤلاء الأولاد منطقهم أقوى من القراطيس الذين يستضيفهم وائل عادةً وبالتالي فوائل ما عرفش يعمل إيه طول البرنامج غير إنه يقول: شعركم طويل وشذوذ جنسي ويسعى بكل طريقة لتوريطهم في إصابتهم بالإكتئاب أو انتمائهم (لجماعة محظورة) ما.  تحدث وائل بعض الوقت عن الجرح العمدي للجسد مع غمزة جانبية إلى أن ذلك من سلوك بعض الجماعات المسيحية التي تحاول الشعور بآلام المسيح وأن ذلك ظهر في شفرة دافنشي - الكتاب والفيلم كما قال وائل - باعتبار شفرة دافنشي الكتاب والفيلم من المراجع العلمية حول سلوك الجماعات المسيحية والإيذاء البدني المصاحب للتوتر النفسي.  وعلى الجهة الأخرى "يستهبل" الأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله كأنه لم يسمع من قبل عن الإيذاء البدني العمدي إلا لدى جماعة "العاطفيين"، يتحدث باستهزاء بأن مثل هذه الأمور معروفة لأن المراهق يبحث عن قضية وما شابه بدلاً من أن يحمد الله أن المراهق يبحث عن قضية بدلاً من أن يكون مثله ظاناً إن كل القضايا قد حلت وانتهى الأمر. ومع موسيقى توحي بالخطر والجدية عرض وائل مجموعة من الصور لشباب في أماكن عامة متموضعين للتصوير يرفعون أيديهم بعلامة النصر وليس في الصور ما يريب أو يقلق، - بخلاف أن شعرهم طويل  وآخر شعره "سبايكي" وأحدهم "يلعب في شعره"كما عبر وائل وضيفه مستنكرين أن "يلعب ولد في شعره".مقياس الأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله للموضوع هو السؤال الذي وجهه ليضحد به المشككين وينهي به قضيته بالضربة القاضية: "لو سألت أي بنت في الشارع عليكم وقلت لها: هل ده ينفع زوج؟ تفتكروا هاتقول إيه؟" (لا اسم الله على إل شعرهم قصير ولابسين بنطلونات واسعة، أزواج تشرف فعلاً، ربنا ما يحرمكم م الهبل). وبالنسبة للتقاليع الغربية: كرافتتك جاية منين يا أستاذ وائل؟


عادي، صحفيو مدرسة روزاليوسف وصوت الأمة ولحيقتهم الدستور من أمثال وائل دورهم في الحياة "الشبشبة" لعل الخناقة تشتعل فيظنون إنهم أصحاب برامج ساخنة. وعادة ما يلتقطون موضوعاً أهبل يضعون معه موسيقى تصويرية من أفلام هتشكوك ويكتبون على الشاشة: "الحقيقة تكشف الموضوع الخطير لأول مرة" ويتضح مثل هذه المرة أن الموضوع الخطير هو إن "الولاد بيلعبوا في شعرهم".  إلا أن لعب الكبار إنقلب جداً بعد أن تسبب ترديد وائل وضيفه كالببغاوات طوال الحلقة: شعر طويل شذوذ جنسي إلى غضب الغنم وتحرش القطيع بالأولاد الذين ظهروا في الحلقة.  وعلى ما يبدو خاف الصحفي الذي ملأ الدنيا صياحاً في جرائد المعارضة دفاعاً عن الحريات وعجز أن يحتمل "حرية تسريح الشعر" - خاصة مع تورطه هو في قضية ضد حرية الصحافة -  أن يزج باسمه في قضية مرشحة أن تكون مثل قضايا عبدة الشيطان، فقام باستضافة الفتيان الثلاث وحدهم في الحلقة التالية وقد بدا عليهم إنهم قد غيروا الحلاق وأراد وائل باستماتة أن يدافع عن نفسه بأنه ليس سبب غضبة الناس ولن يكون برنامجه سبباً في استعداء الأمن على الفتيان واستمر يكرر كالببغاء أيضاً إنهم "طلقوا الإيموز".

تعرض الفتيان للتهديد كان واضحاً جداً من ظهورهم في الحلقة التالية ومما قالوه، ولا يبدو أن المسألة هي تحرش الأهالي بهم فحسب، أن يخرج نفس الفتى الذي كان يتحدث بمنتهى الثقة في الحلقة السابقة ليقول: "إحنا رجالة ومسلمين الحمد لله"، بينما يضحك الآخر ساخراً (من تحت لتحت) بل ورفض أحدهم الظهور أصلاً هو نصر لوائل المغوار الذي قال بمنتهى الدفاع عن الحرية: أنا مش من حقي أكلمك عن شكلك ودي أفكارك ومن حقك تدافع عنها زي ما أنت عايز! (لا صحيح، بتهزر يا وائل مش كدة؟)

 هل أتاك نصر الله والفتح يا وائل أنت والأستاذ الدكتور بأن قص الفتيان شعرهم؟ هل تحقق هدف برنامجك الذي يبدو وإنه برنامج "ستايل"؟  وماذا عن غضبة الغنم على الفتيان؟ الأهل المغاوير وسكان الشارع أعلنوا الحرب كلهم على "شعر" الأولاد، من الراشد ومن المراهق؟ تحدث الرجل ذو العلم النفس التربوي عن المراهقة الفكرية للفتيان وليس من مراهقة فكرية "وهبل" أكثر مما فعله هو ووائله وقطيعه من الغنم الجالس أمام التلفزيون.  وصلت السطحية بالسيد مقدم البرنامج أن يقول للفتى على التليفون: "والله مش ذنبي الناس فهمت إيه بعد ما أنت قعدت تلعبلي في شعرك مش عارف إزاي"(!!) وبينما يضحك بشدة أحد الضيوف الأخر في البرنامج يقول الشاب على الهاتف: "لقد ظهرت في البرنامج لأنفي تماماً علاقتنا بالإيموز!" ثم يقول وائل: "ضيوفي ليسوا شواذ جنسياً لأني مش هأعمل حلقة عن الشواذ جنسياً".  يا وائل خليك حلو كدة، على الأقل موضوع "الشواذ جنسياً" هيبقى له معنى شوية عن موضوع الولاد إل بتلعب في شعرها ولن يخطر ببال واحدة هايفة بتلعب في شعرها من أمثالي إنك "جيت في الهايفة واتصدرت"

 وبعد أن شاهدت وائل وأستاذه الدكتور يا ما شاء الله والفتيان الذين قصوا شعرهم تذكرت المراهقات اللاتي جلسن أمامي يتحدثن عن الحدود، وآخر المعرفة المسموح، فبدأت أفهم بعض الشيء من أين هن آتيات.  من دنيا يظهر لهن فيها في كل خرابة عفريت وفي كل خرابة وائل وفي كل فصل "أستاذ" في علم النفس التربوي يظن إن قصة شعره ما كانت تفزع أباه وأن أمه لم تصمص شفتيها من تصرفاته قائلةً: "رجالة آخر زمن" ، حتى لو كانت الحكاية شعر طويل وبناطيل ضيقة.  هؤلاء الفتيان لم يفجروا متحفاً ولم يدمنوا مخدراً ولا يتحدثون حفظاً بل وحتى لم يتعدوا حدود اللياقة مع الأستاذ الدكتور النابه الذي يستحق بصدق أن "يمسح به البلاط" جزاءً وفاقاً عن عبطه وضعف حجته وهوانه أمام ثلاثة مراهقين ليس لهم ما له من العلم ولا العمر، وتعمده الوقح إهانتهم والتزامهم هم رغم ذلك باحترامه الذي لا يستحقه إطلاقاً ولو كنت عميدة كليته أو رئيسته لمنعته أن يحاضر محاضرة واحدة أمام طلبة أبرياء ما دام يعجز عن تتبع حجة منطقية واحدة ولو كان هو صاحبها.  إنما هو نظام الكتاتيب، إنما اعتلى الطلبة الكراسي وكف الشيوخ عن الجلوس متربعين.

 أتفرج على مسلسل الأيام.  بخلاف انبهاري بأحمد زكي الذي يمثل بعينين مغلقتين وهو ما يضاهي مطرب طلب إليه الغناء بينما انبح صوته فغنى وأطربك، أتابع الحلقات التي كان شيوخ العواميد في الأزهر يضيقون به إذ يناقشهم وقد بهتوا أن يناقشهم أحد، فهم لا ينطقون إلا صدقاً ولا يعارضون إلا كفراً.  فما أشبه الليلة بالبارحة؟ إنما لن يخرج منها طه حسين لأنه ليس فيها "محمد عبده" ولا فيها "أحمد لطفي السيد"، فيها وائل والأستاذ الدكتور العلم النفس التربوي يا ما شاء الله قضيتهم هي اللعب في الشعر.  

في ملاحظة جانبية أصبح الشعر موضوعاً مهماً في مجتمعنا يحوز على جزء لا بأس به من الاهتمام ما بين التغطية والكشف واللعب والحلاقة.  من يدري، ربما بوجود العدد المناسب الآن من الإخوان المسلمين بالمجلس الموقر أن تسن القوانين لتنظيم علاقة الانسان المصري بشعره والتي تعقدت وتشابكت جداً، فتصبح هناك حدود لطول الشعر وحدود للعب في الشعر وحلاقين مرخصين وليس أي حلاق عادي يمكن أن تسول له نفسه أن يحلق لك شعرك بطريقة "ستايل" أو شيء من هذا القبيل وتحرر المخالفات على الشعور المخالفة في الطول أو العرض أو البروز.

ماذا أقول للفتيات في الأسبوع القادم؟ لا تمشطن شعوركن بقصة على العينين حتى لا يطلعلكن في الخرابة وائل؟  البسن بنطلونات واسعة حتى لا يشكك أستاذ علم نفس تربوي في سلامة قواكن العقلية؟ لا تعلن عن انتماء فكري مختلف حتى لا تجدن لعبة صحفية قد انتهت بكن إلى أمن الدولة؟ لا تناقش ولا تجادل يا أخ هاني؟ لو عايزة تبقي صحفية شهيرة تعالي في الهايفة واتصدري؟ لو عايزة تبقى أستاذة علم نفس تربوي يا ما شاء الله وتطلعي في التلفزيون انجعصي ودلدقي الدرر حول علاقة طول الشعر واتجاهه بالنسبة للراس بالقوى العقلية؟


<
eXTReMe Tracker
Office Depot Coupon Codes
Office Depot Coupon Codes