الأربعاء، يونيو ٠٩، ٢٠١٠

نضج

وصلة الإنترنت لا تعمل كما يجب، فجأة وجدت نفسي في نيويورك معزولة عن كل شيء خارجها كنت اعتدت الاعتماد عليه في الأشهر الثلاثة الماضية: الفيس بوك والبريد والدردشة مع الأحباء. لا يسمح الوقت خارج البيت بالتسكع في المقاهي ذات الاتصال المجاني والمكتبة العامة لا تسمح لك باستعمال الانترنت إلا لخمس وأربعين دقيقة ثمينة على الأكثر في اليوم. في لحظة سريعة اختطفت نظرة من الفيس بوك فالتقطت حال عمرو عزت: "كأننا لم نخسر شيئاً يا رؤوف".

لا أعرف رؤوف ولم أقرأ الجملة إلا بسرعة شديدة فوراً لأن الطفلين اللذين اصطحبهما للعب كرة القدم كانا عند الباب بالفعل. طويت شاشة جهازي بينما ضغطت قبضة على صدري.

كنت قبلها بيوم في جلسة حوار طالت بدون قصد قال لي فيها أحد المرشدين: بإمكانك بالطبع أن تتجاهلي كل شيء ولكن فكري كيف ستنظرين للأمر بعد مرور عشر أو عشرين عاماً، غالباً ستقولين كما قالت (هي): "كان من الأفضل أن تختلف الأمور، لم يكن هناك داع لأن أخسر ذلك".

نعم يا سيدي، أحببنا الحياة ما استطعنا إليها سبيلاً. نستيقظ في الصباح كأننا لم نخسر شيئاً، لم نفقد قدرتنا على البكاء مثلما فقدنا قدرتنا على الفرح، كأن الدافع للخروج من البيت ليس دفع الإيجار وتجنب قرح الفراش، كأننا لم نتألم حتى صارت سخريتنا فاجرة، كأننا ما نزال ندهن وجوهنا بالألوان لأننا نحب الألوان وليس لأن لدينا ما نخفيه، كأننا لم نتعلم بعد أن نرفض الشوكولاتة، كأننا لم نعرف بعد أن الانسان من الممكن أن يفقد شهيته للشوكولاتة، كأن شهرزاد ما زالت تحكي لأننا لم نطلب منها السكوت لأن قصصها ما زالت تطربنا، كأننا ما نزال نعتقد في الأنبياء ولم ندرك بعد أنه ليس من رسل ولا من ثورة وإننا لسنا مختارين من قبل السماء لتحقيق أمر كان تحقيقه يستحيل دوننا، كأن ما زلنا نؤمن وما زلنا نأمل وما زلنا نثق، كأننا لم نذق الخيانة ولم نعرف الفقد، كأن الالتماع في العينين هو نفسه الذي كان قبل سنوات كثيرة، كأن ما حول العينين ما زال نضراً ولم يكتس بعد بالسواد. أجل، أحببنا الحياة فارتدينا قناعاً يومياً ينطق بتعبير من لم يخسر شيئاً وكأننا لم نخسر شيئاً (يا رؤوف)!

كأننا لم نخسر شيئاً متسلحين بأنه لم يبق الكثير بعد لنخسره. نلتحف بحصون البراءة. لا يفضحنا إلا حزن مراهق لم يخسر شيئاً بعد وليس في حياته "كأنه". نؤدي الدور بكفاءة. ألا تفهمين يا سيدتي، لقد نضجت، قويت شخصيتي، لم أعد مراهقة بعد. لم يعد حزني يعني عدم الخروج من الفراش، بل سأخرج وأمضي في الحياة اليومية وأخصص للحداد على الخسائر عشر أو عشرين دقيقة في اليوم لا تعترض مسار حياة كأنها لم تخسر شيئاً.

التسميات:

الثلاثاء، مايو ١٨، ٢٠١٠

عندي "شوية" صداع

الصداع لا يرحم. لا يحترم الصداع النصفي إلا من عرفه ويقول الناس ببساطة "عندي صداع" للتعبير عن اضطراب خفيف بينما تمثل لي تلك الجملة آيات الوجع. حين تعاني الصداع النصفي تصبح الرؤية مشكلة والسمع مشكلة والوضعية مشكلة وأي حركة ولو بالعينين تمثل ضغطه وجع جديدة. لا أعاني فقط من رهاب الضوء أثناء تعرضي للصداع النصفي إنما أعاني بالأكثر رهاب الصوت. بالرغم من كل المسكنات التي خلطها الطب يعرف الأطباء والمرضى معاً أن علاج الصداع النصفي الأول هو أن تطفىء النور وتخمد الأصوات وتغلق عينيك وتحاول أن تستكين ولا تقاوم الألم بمحاولة تغيير وضعيتك. تفيد بعد المناورات القديمة، الضغط ما فوق الحاجبين وبينهما، الضغط على مواضع الجيوب الأنفية والضغط على عضلات الرقبة. أعرف أن الكثير من الصداع مصدره العلاقة بين الكتفين والرقبة ولكنني أنسى كتفي ورقبتي دائماً وأنا في الخارج، ربما لهذا يأتيني أغلب الصداع بينما أكون خارجاً وأعود للبيت فكأني أكتشفه بعد مرحلة من رهاب الأصوات في الشارع.

يفسد الصداع الغد عادةً. غالباً ما أحتاج ليوم من النقاهة بعد نوبة شديدة، حيث يبقى رأسي ثقيلاً وأعاني الآلام في عضلاتي وبالتالي على خطط الغد أن تتغير. لا يغامر المرء بتحدي التطور الطبيعي لنوبة صداع إلا لو كان يرغب في المزيد. أتخيل الصداع كائناً صدئاً يضغط بيدين حديتين على الجبهة والصدغين ولا يرخي. ساقان ثقيلتان وظهر مغلل للأرض وألم مذل. أياً كان المخطط للغد عليه أن ينتظر والمسكنات تساعد فقط على احتمال الألم ولا تسكنه. لو كنت تعانين من نوبات الصداع المتكررة تعرفين الشعور بأنك تحت رحمة نوبة قد تأتي في أي وقت فتغير أجمل الخطط.

ينصح الأطباء من يعانون الصداع أن يسجلوا ما يستحث نوباتهم. طعام، أصوات، وضعية، ضغط معين ويشجعونهم على تغيير أنماط من حياتهم للسيطرة على النوبات المجنونة وبخاصة إنه ليس من المحترم أن تقول لأحدهم إنك لم تذهب إلى المكان الفلاني أو إلى العمل لأن "عندك صداع" فيكون عليك أن تخفي العلة ربما بعلة أكثر قبولاً لدى الجماهير التي لا تعرف الصداع.

يذكرك اسم الصداع بالتصدع ولكن شيئاً لا يتصدع. هو يضغط وجمجمتك تقاوم وجسدك كله يحاول أن يحتج فيزيد الضغط.

حين تنفرج النوبة أبقى غير مصدقة لفترة إنها مضت وألزم وضعيتي وسريري غالباً حتى أتأكد أنني لن أنتكس. أضغط عظام وجهي حيث كانت مواضع الألم لأتأكد أنها ذهبت. أتحسر على اليوم الذي مضى وعلى ما فقدته فيه.

أرجوك لا تقل ببساطة "عندي صداع".

التسميات:

<
eXTReMe Tracker
Office Depot Coupon Codes
Office Depot Coupon Codes